ما فهمه قُدامة ومَن معه مِنْ الصحابة ﵃ وإن كان هو المُتَبادر لهم من الآية، إلا أنه باطل بدلالة نفس الآية على ذلك، وبدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وبإجماع الصحابة ﵃ على تخطِئَتِهم. فقد اقترن رفع الجُناح عن الذين آمنوا فيما طَعِموا، بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، ومن تمام معاني هذه الألفاظ اجتناب ما حَرَّم الله تعالى فيما يُطعَم، ومنه الخمر. وهذا ما أجاب به عمر وابنُ عباس ﵃.
_________________
(١) هو البُسر والتمر يُشدَخ ويُفضَخ ويُنبَذ في الماء. مشارق الأنوار ٢/ ٢٦٨، والنهاية في غريب الحديث ٣/ ٤٠٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٢٨ (٤٦٢٠)، ومسلم في صحيحه ٥/ ١٢٩ (١٩٨٠)، ورُويَ مثله عن ابن عباس، وجابر، والبراء بن عازب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٥٨٣.
[ ١٣٣ ]
وقد سبق ذكر دلالة السياق وأنها خاطبت المؤمنين بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، ثم خاطبتهم بنفي الجناح فيما طَعِموا، ولا شَكَّ في استثناء الخمر منه. وهو ما أشار إليه ابن عباس ﵁.
ودليلٌ آخرَ هو من أقوى أَدِلَّة بُطلان ما تأوَّلَه قُدامة وغيره ﵃، وهو سبب نزول هذه الآيات، وقد مَرَّت إشارة ابن عباس ﵁ إليه، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (ففي الحديثين- حديث عبد الله بن عامر، وابن عباس- بيان أن الغفلة عن أسباب التنْزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات). (^١)
وحيث قد اشتهر تحريم الخمر على عهد رسول الله ﷺ، وأراقها الناس في طرقات المدينة، وحَدَّ رسولُ الله ﷺ من شربها، وأجمع الصحابة على ذلك (^٢)؛ فإن القول بإباحتها لمن اتَّقَى مُفَضٍ إلى إبطال جميع ذلك. وهو ما أشار إليه علي ﵃.
وقد ورد في السنة إشارةٌ إلى أن الظاهر الذي فهمه قدامة ومن معه غير مُرَاد، وذلك في قوله ﷺ لابن مسعود حين نزلت هذه الآية: (قيل لي أنت منهم) (^٣)، ولم يقع من ابن مسعود ﵁ شيءٌ ممَّا فهمه قدامة ﵁ من هذه الآية، فصار انطباق الآية على حال ابن مسعود من جهة المعنى السياقي الكامل الذي ذهب إليه عمر وعلي وابن عباس ﵃.
وقد لَخَّصَ بعض ما سبق الإمام الشاطبي (ت: ٧٩٠) بقوله عن هذه الآية: (فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخولَ كلِّ مطعوم، وأنه لا جُناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جُملته الخمر، لكنَّ هذا الظاهر يُفسِدُ جَرَيَان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى لمَّا حَرَّم
_________________
(١) الموافقات ٤/ ١٥١، وينظر منه: ٤/ ١٤٦، ٢٦٠.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٣، وشرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٤٦، وفتح القدير ٢/ ١٠٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ١٣ (٢٤٥٩).
[ ١٣٤ ]
الخمر قال ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة ٩٣] فكان هذا نقضًا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معًا؛ فلا يُمكن للمُكَلَّف امتثال. ومن هُنا خَطَّأ عمرُ بن الخطاب من تأوَّلَ في الآية أنَّها عائدةٌ إلى ما تَقَدَّمَ من التحريم في الخمر، وقال له: (إذا اتَّقَيت اجتَنَبتَ ما حرَّم الله)، إذ لا يَصِح أن يُقال للمكلَّف: (اجتَنب كذا)؛ ويُؤَكَّد النهي بما يقتضي التشديد فيه جدًّا، ثم يُقال: (فإن فعَلتَ فلا جُناح عليك)، وأيضًا فإن الله أخبر أنها تصُدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء بين المُتَحابَّين في الله، وهو بعد استقرار التحريم كالمُنافي لقوله ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة ٩٣]، فلا يُمكن إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شُربَت؛ لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يُطاق) (^١).
وبهذا ينحصر الصواب من معنى الآية في أنه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] ممَّا أحلَّ الله لهم، بعد تحريم الخمر، ولم يقربوا ما حَرُمَ عليهم، ومن مات قبل تحريمها وقد شربها فلا جُناح عليه.
وهو المعنى الجامع لأقوال الصحابة ﵃ عمر وعلي وابن عباس، وهم من أعلم الصحابة بالتفسير- كما سبق، ومن ثَمَّ تكون هذه الآية مُتَّصِلة بالآية قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة ٨٧]. وشَبَّهَها الشافعي (ت: ٢٠٤) بقوله تعالى ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، ولدلالة "إذا" فيها على المستقبل، كما سيأتي عن النحاس (ت: ٣٣٨).
وقيل بعكس ذلك، وهو أن المُراد: فيما طَعِموا قبل تحريمها- بحسب سبب النُّزول-، ثم المُباحات من المطعومات بعد ذلك من صور العموم الداخلة في الآية. ونسبه ابن الجوزي (ت: ٥٩٧) لابن عباس والجمهور (^٢)، واستظهره
_________________
(١) الموافقات ١/ ١٥٧.
(٢) زاد المسير (ص: ٤٠٦)، وينظر: جامع البيان ٧/ ٥٢.
[ ١٣٥ ]
أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^١).
والأوّل أرجح؛ لاعتماد الصحابة عليه في البيان، كما في جواب ابن عباس ﵁ لعمر، إذ جعل سبب النُّزول من الأوجه التي تبين المُراد، ولم يقتصر عليه في البيان، فهو تابعٌ للمعنى العام الذي استدل له بالسياق وبحقيقة اللفظ- كما فسره عمر- وأشار إلى سبب النُّزول بين ذلك. ولِما استقر من أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهو الحق (^٢). واختاره الشافعي (ت: ٢٠٤) (^٣)، والنحاس (ت: ٣٣٨) وقال: (هذا أحسن من الأوَّل؛ لأن فيها ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة ٩٣]، و"إذا" لا تكون للماضي، فالمعنى على هذا- والله أعلم-: للمؤمنين قبلُ وبعدُ على العموم) (^٤)، واختاره الزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، والطوفي (ت: ٧١٦) (^٥)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) (^٦)، وأبو السعود (^٧) (ت: ٩٨٢)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (^٨).
_________________
(١) البحر المحيط ٤/ ١٨.
(٢) ينظر: التحرير والتنوير ٧/ ٣٤.
(٣) أحكام القرآن، جمع البيهقي ٢/ ١٨٥.
(٤) معاني القرآن ٢/ ٣٥٨، وينظر: إعراب القرآن ١/ ٢٨١.
(٥) ينظر: الكشاف ١/ ٦٦٢، وأحكام القرآن ٢/ ١٢٦، ١٢٨، وأنوار التنْزيل ١/ ٢٨٥، والإشارات الإلهية ٢/ ١٣٧.
(٦) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٥٣، وفي ١١/ ٤٠٣ فسَّرَها بالمعنى الثاني على سبب النُّزول، مع ذِكره لقصة قُدامة وجواب عمر له.
(٧) محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، أبو السعود الحنفي، مفسر فقيه شاعر، صَنَّف تفسيره: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، توفي سنة (٩٨٢). ينظر: شذرات الذهب ١٠/ ٥٨٤، والكواكب السائرة ٣/ ٣٥.
(٨) ينظر: إرشاد العقل السليم ٣/ ٧٧، وفتح القدير ٢/ ١٠٥.
[ ١٣٦ ]