أخَذَ ابنُ مسعود ﵁ في هذه الآية بظاهرها؛ فحمل "أولوا الأرحام" فيها على المعنى الخاص في علم الفرائض، وأعانه عليه سِبَاق الآية المُحتَمِلُ لأن يكون في الميراث، وذلك قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٢].
ووافقه ابن عباس ﵁ في كون الآية في سياق التوارث، وأخذَ هنا بعموم اللفظ "أولوا الأرحام" في أصل اللغة، مع اعتماده على سبب نزول الآية.
وما فهمه ابن عباس ﵁ من الآية هو الصواب؛ فلا يُخَصّص اللفظ العام بلا موجب تخصيص، وفي قِصَّة الآية وسبب نزولها بيانٌ صريحٌ للمعنى المُراد، وقد ورد
[ ١٣٩ ]
مثله عن الزبير بن العوام ﵁ قال: (أنزل الله فينا خاصة معشر قريش والأنصار ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، وذلك أنَّا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم وتوارثنا، فآخى أبو بكر ﵁ خارجةَ بن زيد، وآخى عمرُ ﵁ فلانًا، وآخى عثمان ﵁ رجلًا من بني زُرَيق بن سعد الزرقي، قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد، قيل لي: قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته، فوجدت السلاح قد ثَقَّلَه فيما نرى، فوالله يا بُني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا) (^١)، وعن ابن الزبير ﵁ أنه كتب إلى شريح القاضي (ت: ٧٨) (^٢): (إنما نزلت هذه الآية أن الرجل كان يُعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، فلما نزلت تُرِكَ ذلك) (^٣)، وممَّن قال بنسخ هذه الآية لتوارث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض دون الأعراب ومن لم يُهاجر: مجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وغيرهم. (^٤)
وذكر الجصاص (ت: ٣٧٠) رأيَ ابن مسعود هذا ثُمَّ قال: (وليس هو كذلك عند
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٤٢ (٩٢٠٦)، والدر ٤/ ١٠٧.
(٢) شريح بن الحارث بن قيس الكِندِي، أبو أمية الكوفي، القاضي، عالمٌ فقيه مُخضرم، توفي سنة (٧٨) وقيل غيرها. ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٤٢٨، والسير ٤/ ١٠٠.
(٣) جامع البيان ١٠/ ٧٥ (١٢٧١٢)، والدر ٤/ ١٠٧.
(٤) ينظر: أحكام القرآن، للقاضي إسماعيل بن إسحاق (ص: ١٠٤)، وجامع البيان ١٠/ ٦٧، وقد ذَكَرَت ذلك جُلُّ كتب النسخ في القرآن، نحو: الناسخ والمنسوخ، للزهري (ص: ٢٧)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس ١/ ٤٧٤، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: ٣٠٤)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: ٣٧)، والناسخ والمنسوخ، لابن حزم ١/ ٣٩، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه (ص: ٣٥).
[ ١٤٠ ]
سائر الصحابة) (^١)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وأما قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يُدْلُون بوارث، كالخالة، والخال ..، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة، تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد؛ على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء، اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص) (^٢)، وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (أولوا الأرحام، معناه: أصحاب الأرحام، وهم ذوو القرابات، وشَذَّ قومٌ هُنا وقالوا: إن المُراد بها أرحام العصبات الخاصة، وممَّن نصر هذا القول: أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (^٣)، وهو ليس بصواب، وما استدلُّوا به في ذلك لا ينهض حُجَّةً؛ لأنهم قالوا: إن العرب كثيرًا ما تُطلِق "الرحم" على قرابة العصبات، دون قرابات غيرهم، قالوا: تقول العرب: (وصلتك رَحِم)، يعنون به رحم العصبات لا غيرها، وقالت قُتَيْلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث في رجزها المشهور، لَمَّا قَتلَ النبيُّ ﷺ النضرَ بن الحارث في رجوعه من بدر، قالت في شعرها (^٤):
ظَلَّت سيوف بني أبيه تَنُوشُه … لله أرحَامٌ هناك تشَقَّقُ
_________________
(١) أحكام القرآن ٣/ ٩٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٦١٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٨، وممَّن قال به أيضًا: ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٣٦٣، والرازي في التفسير الكبير ١٥/ ١٧٠.
(٤) نسبها ابن إسحاق وابن هشام لقُتَيْلة بنت الحارث، وقال السهيلي: الصحيح أنها بنت النضر بن الحارث لا أخته. ينظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٤٢، والروض الأُنُف ٣/ ٢١٨، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٨.
[ ١٤١ ]
فَصَرَّحت بان مرادها بالأرحام بنو الأب، يعني: من بني عمِّه وعصَبَتِه، وهذا يجوز، ولكنه لا ينفي غيره من إطلاق ذوي الأرحام على جميع القرابات. وهذه الآية ثَبَت في الصحيحين وغيره- ولا يكاد يُختَلَف فيه بين العلماء- أنها نسخت الموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمُؤاخاة والحِلْف؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمُؤاخاة، ولا يرث القريب من قريبه شيئًا إذا كان لم يُهاجر، كما تقدَّم في قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال ٧٢]، وأن الله نسخ ذلك بالقرابات، وأن المُراد ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] أي: أصحاب القرابات من قرابة الأب والأم، بعضهم أولى ببعض في الميراث، أي: من الهاجرين الذين آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار كما هو معروف، فنسخ الله ذلك الميراث أوَّلًا بميراث القريب قريبه، والولي وليّه) (^١).
وقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية محلُّ اتفاقِ أكثر المفسرين، وممَّن ذهب إليه مقاتل (ت: ١٥٠)، والشافعي (ت: ٢٠٤)، وأحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (^٢) (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه لجماعة المفسرين، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، ونسبه لأكثر المفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨). (^٣)
* * *
_________________
(١) العذب النمير ٥/ ٢٠٩٩ بتصرف يسير، وينظر: ٥/ ٢٠٧٦.
(٢) إبراهيم بن السَّريّ بن سهل، أبو إسحاق الزَّجَّاج، نسبةً إلى خرط الزجاج، إمامٌ لُغَويٌ مشهور، صَنَّف: معاني القرآن، والاشتقاق، وغيرهما، توفي سنة (٣١١). ينظر: معجم الأدباء ١/ ٥١، وبغية الوُعاة ١/ ٤١١.
(٣) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٣١، والرسالة (ص: ٥٨٩)، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٧٧، وجامع البيان ١٠/ ٧٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٥، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ١٧٥، وبحر العلوم ٢/ ٢٩، وأحكام القرآن، جمع البيهقي ١/ ١٤٦، والوسيط ٢/ ٤٧٤، وتفسير السمعاني ٢/ ٢٨٣، ومعالم التنْزيل ٣/ ٣٨١، والكشاف ٢/ ٢٣٢، ومرويات الإمام أحمد في التفسير ٢/ ٢٦٩.
[ ١٤٢ ]