ما ذكره ابن عباس ﵁ في أن هذه الآية في غير المسلمين هو الراجح؛ لدلالة السياق عليه كما سبق، ولورود نحو هذا الخطاب كثيرًا في كتاب الله مُرادًا به الكافرين، ودَلَّ عليه كذلك التعبير بالجملة الاسمية في قوله ﴿وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]، فإنه يفيد مُلازمتهم للشرك، واتِّصافهم به، لا كوصفهم بالفعل، كما لو قال: (وهم يشركون)، فالاسم أقوى وأثبت من الفعل، فإن الجملة الاسميّة تفيد الثبوت والدوام والاستقرار، بخلاف الفعلية التي تفيد الحدوث والتجدد والتغَيُّر (^٢)، فهم ثابتون دائمون على شركهم، وهو الأصل فيهم، وإن ادَّعوا الإيمان، أو ظنوا أنهم مؤمنون في زعمهم ولجهلهم.
وأمَّا قوله ﵁: (إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب)، فهو من باب التمثيل لا الحصر،
_________________
(١) ينظر: أضواء البيان ٣/ ٥٥.
(٢) ينظر: شرح الطِّيبِي على المشكاة ٣/ ٩١٧، ١٠٠١، والتعبير القرآني (ص: ٢٢)، ولمسات بيانية في نصوص من التنْزيل (ص: ٨٤)، وينظر في التأصيل والتمثيل لهذه المعاني كتاب: معاني الأبنية في العربية، باب: (الاسم والفعل).
[ ١٤٥ ]
أي: كما هو حال أهل الكتاب، فإنَّهم أظهر من ادَّعى الإيمان وهم مشركون. وقد ورد عن ابن عباس ﵁ أمثلة أخرى لمن انطبق عليه وصف الآية، فمن طريق العوفيين السابق قال في هذه الآية: (يعني النصارى)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في هذه الآية: (من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون)، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: (سلهم من خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله. فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره) (^١)، وقال ﵁: (نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، وعنه أيضًا: (أنَّهم المُشَبِّهة، آمنوا مُجملًا، وكفروا مُفَصَّلًا) (^٢). فهي عند ابن عباس ﵁ في أهل الكتاب، وفي النصارى، وفي المشركين عمومًا، وبالأخص مشركي العرب، ويجمع كلَّ من سبق قوله ﵁: (إنَّا لم نُعْنَ بها).
وعلى هذا يكون المُراد بالإيمان في هذه الآية: الإيمان اللغوي، لا حقيقة الإيمان؛ فإنه لا يجتمع مع نقيضه، و(الإيمان اللغوي يُجامع الشرك، فلا إشكال في تقييده به) (^٣)، أو يُراد به هنا: في زعمهم، ولجهلهم، وكما يدَّعون، أو بألسنتهم (^٤)، قال الطوفي (ت: ٧١٦): (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦] يعني
_________________
(١) سبق تخريج هذه الروايات الثلاث في تخريج الاستدراك، وينظر: فتح الباري ١٣/ ٥٠٣، والدر المنثور ٤/ ٥٢٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٧٨، وفي الكشاف ٢/ ٤٨٨: (هم الذين يشبهون الله بخلقه)، وهم المشركون الذين آمنوا بالربوبية إجمالًا، وكفروا بالألوهية تفصيلًا، فليس مراده مشبهة الصفات؛ فإنهم ما ظهروا إلا متأخرًا.
(٣) أضواء البيان ٣/ ٥٦.
(٤) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٢٣١، والوسيط ٢/ ٦٣٧، والمحرر الوجيز ٣/ ٢٨٥، وزاد المسير (ص: ٧٢٢).
[ ١٤٦ ]
الكفار، كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة. والإيمان- وهو التصديق بالله ﷿ لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد، وهم كانوا يؤمنون بالله ﷿ وجودًا وخلقًا وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادةً) (^١).
فالقول بأنَّ معنى الآية: إن أكثر الناس- وهم المشركون- لا يؤمنون بالله في ربوبيته إلا ويشركون غيره في عبادته. هو الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، ومنهم: مجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وعطاء (ت: ١١٤)، والضحاك (ت: ١٠٥) (^٢)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (^٣) (ت: ١٦١)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، ونسبه لأكثر المفسرين، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (^٤)