(لم تكن نبوَّةٌ قط إلا كان قبلها جاهلية) (^٢)، فهي فترةٌ تسبقُ مبعثَ كلِّ نَبيّ، وقد اتفق العلماء على أن قبل الإسلام جاهليةً مذمومةً في لسان الشرع، ثم اختلف المفسرون في تحديد زمن هذه الجاهلية، والأظهر أنها مابين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (^٣)، والذي أفادته الآية أن ثَمَّةَ جاهلية قبل الإسلام، من صفات نسائها التبرج، وقد ذَمَّه الله تعالى، وحذر منه نساء نَبِيِّه ﷺ. وهذا ما فهمه عمر وابن عباس ﵃ من الآية، ثم زاد ابن عباس ﵁ مفهوم الآية، وأنه ما من أولى إلا ولها آخرة، فهنا جاهلية أخرى، حذرت منها الآية ضمنًا. ثم استدل على قوله، بنظير هذه الآية عنده في كتاب الله تعالى، وهو استدلال بأسلوب القرآن، وطريقته في الخطاب (^٤). ويؤيد قول ابن عباس ﵁ غيرما حديث عن رسول الله ﷺ في ذكر خصالٍ وأخلاقٍ جاهلية في هذه الأمة، ومنها:
_________________
(١) التفسير الكبير ٢٣/ ٦٣.
(٢) جملةٌ من حديث عمران بن حصين مرفوعًا، أخرجه الترمذي في جامعه ٥/ ٣٢٢ (٣١٦٨)، وقال: (حسن صحيح).
(٣) عن ابن جرير، وهو قول الشعبي، ينظر: جامع البيان ٢٢/ ٨، وقال الزجاج: (والأشبه أن تكون من عيسى إلى زمن النبي ﷺ؛ لأنها هم الجاهلية المعروفون) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٢٥، واختاره مقاتل في تفسيره ٣/ ٤٥، والواحدي في الوسيط ٣/ ٤٦٩. وقد وردت كذلك في نصوص شرعية كثيرة. ينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٢٣٨، وفتح الباري ٧/ ١٨٤.
(٤) يعتني ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀ كثيرًا بهذا النوع من الاستدلال في بيان معاني القرآن والسنة، ويُنظَر أمثلةً على ذلك في: التبيان في أقسام القرآن (ص: ١١٩، ١٨٤)، وجلاء الأفهام (ص: ١٨٨، ٢٥٨، ٥٣٩).
[ ١٥٠ ]
- قوله ﷺ لأبي ذرٍّ لمَّا عيَّرَ رجلًا بأمِّه: (يا أبا ذر أَعَيَّرْته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) (^١).
- وقوله ﷺ: (ليس منَّا من لَطَم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (^٢).
- وقوله ﷺ: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) (^٣). ونحوها من الأحاديث.
قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام، فإن قال قائل: أَوَ في الإسلام جاهلية، حتى يقال عَنى بقوله ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام؟ قيل فيه أخلاقٌ من أخلاقِ الجاهلية) (^٤). ثم نهيُ أُمَّهات المؤمنين ﵅، عن صفاتِ جاهليةٍ أدركنها، أبلغ أثرًا، وأدعى للاستجابة ممَّا لا يعرفنه من ذلك، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فاُمِرنَ بالنُّقلَة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم) (^٥).
وقال بقول ابن عباس ﵁ أن ثَمَّةَ جاهلية أُخرى بعد الإسلام على ما وُصِفتْ قبل قليل-: ابنُ زيد (ت: ١٨٢)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزمخشري
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٠٦ (٣٠)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٩١ (١٦٦١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ١٩٥ (١٢٩٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٥٣١ (٩٣٤).
(٤) جامع البيان ٢٢/ ٧.
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٤.
[ ١٥١ ]
(ت: ٥٣٨)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥). (^١)
ولا يتعارض هذا مع قول من نفى جاهلية أُخرى تقابل الأولى المذكورة في الآية، كابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسيوطي (ت: ٩١١) (^٢)، فإن المُثبِتَ للجاهلية الأُخرى أثبَتَ لها صفةً خاصةً تكون بِها؛ وهي بعض صورها وأخلاقها، وقد صحَّت بذكرها الأحاديث، لا أنها جاهليّة عامَّة كالتي كانت قبل الإسلام فإن هذا ممتنعٌ عند الجميع. والله أعلم.
* * *