وافقَ ابنَ مسعود ﵁ في قوله: أن الدُّخان المذكور في الآية قد مضى على ما سبق وصفه جماعة من المفسرين، كأبي العالية (ت: ٩٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعطية العوفي (^١) (ت: ١١١) (^٢)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، وأَيَّدَه بأن سياق الآيات في خطاب مشركي قريش، قال تعالى ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٨ - ٩]، ثم أمر الله نبيه ﵁ بالصبر عليهم إلى أن يأتي بأسه وتهديده، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]، (فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم، قد أحلَّه بهم، أشبه من أن يكون آخَرَه عنهم لغيرهم) (^٣). وهذا يُضاف إلى ما ذكره ابن مسعود ﵁ في رَدِّه في الرواية السابقة إذ قال في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!). (^٤)
ووافَقَ ابنَ عباس ﵁ في قوله: بأن الدُّخان آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر ﵃،
_________________
(١) عطية بن سعد بن جنادة العوفي القيسي، أبو الحسن الكوفي، أخذ عن ابن عباس وابن عمر، شيعي صدوق يُخطئ كثيرًا، له تفسير القرآن، توفي سنة (١١١). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٥١٠، والسير ٥/ ٣٢٥.
(٢) ينظر: جامع البيان ٢٥/ ١٤٦، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٦٢.
(٣) جامع البيان ٢٥/ ١٤٨.
(٤) ينظر: المفهم ٧/ ٣٩٦.
[ ١٥٤ ]
والحسن (ت: ١١٠)، وابن أبي مليكة (ت: ١١٧) (^١)، واختاره ابن كثير (ت: ٧٧٤)، واستدل له بما يأتي:
أولًا: قوله ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات)، ذكر منها: (الدُّخان) (^٢).
ثانيًا: قوله ﷺ لابن صَيَّاد: (إني خَبَأتُ لك خَبْئًا. قال: الدُّخّ. فقال له ﷺ: اخسأ فلن تعدُوَ قدرك. قال: وخَبَّأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]) (^٣)، قال ابن كثير: (وهذا فيه إشعار بأنه من المنتَظَر المرتَقَب، وابن صَيَّاد كاشف على طريقة الكهَّان بلسان الجانّ، وهم يقرطمون (^٤) العبارة، ولهذا قال: (هو الدُّخّ)، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادَّتَه، وأنها شيطانية، فقال ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك). (^٥)
ثالثًا: حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان)، قال حذيفة ﵁: يا رسول الله وما الدخان؟، فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠ - ١١]، يملأ مابين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فيكون بمنْزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره) (^٦)، قال ابن جرير بعد اختياره لقول
_________________
(١) جامع البيان ٢٥/ ١٤٦، والمفهم ٧/ ٢٣٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٣٥٠ (٢٩٠١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٥٨ (١٣٥٤)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٣٦٤ (٢٩٢٤).
(٤) هو قطع الكلام وعدم الإتْمام. ينظر: لسان العرب ١٢/ ٤٧٦، والقاموس المحيط (ص: ١٠٣٦).
(٥) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٦٢.
(٦) أخرجه ابن جرير ٢٥/ ١٤٧ (٢٤٠٢٦)، وضعف إسناده، وكذا ابن حجر في الفتح ٨/ ٤٣٦، وحكم عليه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٦٣ بالوضع.
[ ١٥٥ ]
ابن مسعود: (إن لم يكن خبر حذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله ﷺ صحيحًا، وإن كان صحيحًا فرسول الله أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني (^١) حدثني أنه سأل رَوَّادًا (^٢) عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان- هو الثوري-؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ، وقالوا لي: اسمعه منا فقرأوه عليّ ثم ذهبوا، فحدثوا به عني. أو كما قال. فَلِمَا ذكرتُ من ذلك لم أشهد له بالصحة) (^٣)، وقد أصاب ابن جرير (ت: ٣١٠) في تضعيفه هذا الحديث، كما ذكر ابن حجر (ت: ٨٥٢) هذا الحديث وعددًا من الروايات الأُخرى والتي منها الصحيح والحسن، ثم قال بعد تضعيفه للحديث: (لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا) (^٤).
رابعًا: الروايات الصحيحة والحسنة، المرفوعة والموقوفة، مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة. (^٥)
خامسًا: أنه ظاهر القرآن ويدلُّ عليه، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠] أي: بَيِّنٍ واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسَّره به ابن مسعود ﵁: إنما هو خيال رأوه
_________________
(١) محمد بن خلف بن عمار العسقلاني، صدوق، مات سنة (٢٦٠). ينظر: الكاشف ٣/ ٤٠، والتقريب (ص: ٨٤٢).
(٢) روَّاد بن الجراح، أبو عصام العسقلاني، صدوق وحديثه عن الثوري ضعفه شديد. ينظر: الكاشف ١/ ٣١٣، والتقريب (ص: ٣٢٩).
(٣) جامع البيان ٢٥/ ١٤٨، وينظر منه: ٢٢/ ١٣٠ (٢٢٠٨٣).
(٤) فتح الباري ٨/ ٤٣٦.
(٥) ينظر في ذكر تلك الروايات والحكم عليها تفسير ابن كثير ٧/ ٣١٦٣، وفي إعلام الموقعين ٦/ ٣٣ إشارة إلى أن قول ابن مسعود في هذه الآية من تفاسير الصحابة التي خالفت الأحاديث المرفوعة الصحاح.
[ ١٥٦ ]
في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان ١١] أي: يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه يغشى الناس، وقوله تعالى ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١١] أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، كقوله ﷿ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٣ - ١٤]، أو: يقول بعضهم لبعض ذلك، وقوله ﷾ ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢] أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، وكذا قوله جل وعلا ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم ٤٤]، وهكذا قال جل وعلا ههنا ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الدخان ١٣ - ١٤]، يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولًا بَيِّن الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه، وما وافقوه، بل كذبوه وقالوا معلم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٣ - ٢٤]، الآية كقوله ﷿ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ ٥١ - ٥٤]، وقوله ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٥] يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب، ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون ٧٥]، وكقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]، والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من
[ ١٥٧ ]
الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم، كقوله تعالى ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨]، ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب ﵇ أنه قال لقومه حين قالوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف ٨٨ - ٨٩]، وشعيب ﵇ لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله) (^١).
سادسًا: انفراد ابن مسعود ﵁ بهذا التفسير، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا التفسير غريب جدًا، ولم يُنقَل مثله عن أحد من الصحابة غيره) (^٢).
سابعًا: أن اعتراض ابن مسعود ﵁ لا يتوجَّه على قول ابن عباس ﵁ ومن معه من الصحابة، وإنما على قول القاصّ: (يجيء دخان يوم القيامة)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقول هذا القاصّ: إن هذا الدخان يكون يوم القيامة. ليس بجيد؛ ومن هنا تسلَّطَ عليه ابن مسعود بالرد، بل قبل يوم القيامة وجودُ هذا الدخان، كما يكون وجود هذه الآيات ثَمَّ: الدابة، والدجال، والدخان، ويأجوج ومأجوج، كما دلَّت عليه الأحاديث عن أبي سَريحة، وأبي هريرة، وغيرهما من الصحابة) (^٣).
ومن ثَمَّ فالراجح في هذه الآية قول ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة، في أن المُراد بالدُّخان ما يكون قبل يوم القيامة، ومن علاماتها.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٦٤، ومثله في النهاية في الفتن والملاحم (ص: ١١٤)، وينظر: التفسير الكبير ٢٧/ ٢٠٨.
(٢) النهاية في الفتن والملاحم (ص: ١١٤).
(٣) المرجع السابق (ص: ١١٥)، وفيه (أبي شريحة) وهو تصحيفٌ، وأبو سَريحة هو حذيفة بن أسيد الغِفاري. ينظر: شرح النووي على مسلم ٦/ ٣٥١.
[ ١٥٨ ]
وكذلك يترَجَّح القول بأن المُراد بالبطشة الكبرى في ختام هذه الآيات: يوم القيامة. وهو قول ابن عباس ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥) في أصح الروايتين عنه، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، واختاره السمعاني (ت: ٤٨٩)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (^١).
* * *