يُشارُ ابتداءً إلى أن الآياتِ من أول السورة فما بعدها في سياق واحد، ولموصوف واحد، بدلالة العطف بالفاء؛ الدالِّة على الترتيب والتعقيب، وتسبُّب ما قبلها فيما بعدها (^١)، ومن ثَمَّ فينحصر الحديث بين من جعل الآياتِ كاملةً في الإبل في الحج، أو الخيل في الجهاد.
والراجح أنها في الخيل في الجهاد، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المُراد هو: الخيل) (^٢)، ومن دلائل ذلك:
أولًا: أن العَدْوَ في الخيل أكمل وأشهر منه في الإبل، وخاصة في الجهاد في سبيل الله (^٣)، وتوجيه كلام الله تعالى إلى الأولى والأشهر من كلام العرب أولى وأحرى. (^٤)
ثانيًا: كما أن الضَّبح- وهو: الحمحمة، أو صوت النَّفَس عند العَدْوَ (^٥) - في الخيل أشهر منه في الإبل، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالعاديات: الخيل؛ وذلك أن الإبل لا تضبح، وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحًا، والضَّبح هو ما قد ذكرنا قبل)، ثم أسند عن علي ﵁ قال: (الضَّبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النَّفَس) (^٦)، وحيث قد ورد عن الصحابة تسمية صوت الإبل حالة عدوِها ضَبحًا، فلا سبيل إلى
_________________
(١) البحر المحيط ٨/ ٥٠١، والتبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٥).
(٢) التفسير الكبير ٣٢/ ٦١.
(٣) ينظر: البحر المحيط ٨/ ٥٠١.
(٤) ينظر في التأكيد والتمثيل لذلك: جامع البيان ٨/ ١٦٩، ١٣/ ٧٢، ١٥/ ١٥٩، والمحرر الوجيز ٥/ ٣١٨.
(٥) مقاييس اللغة ٢/ ٥٩، ولسان العرب ٢/ ٥٢٣.
(٦) جامع البيان ٣٠/ ٣٤٧.
[ ١٦٩ ]
نفيه عنها، وإنما يُقال: إنه في الخيل أظهر منه في غيرها. (^١)
ثالثًا: أن إيراء النار بحوافر الخيل حين عَدوِها، أوضح وأبين منه بأخفاف الإبل، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأيضًا فالقدح يظهر بالحافر ما لا يظهر بخف الإبل) (^٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (قال الجرجاني: كلا القولين قد جاء في التفسير، إلا أن السياق يدلُّ على أنها الخيل، وهو قوله تعالى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات ٢]، والإيراء لا يكون إلا للحافر؛ لصلابته، وأمَّا الخف ففيه لين واسترخاء). (^٣)
رابعًا: قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عند ذكره لقول من رجح أن المراد الخيل: (قالوا: والنقع هو الغبار، وإثارة الخيل بعَدوِها له، أظهر من إثارة أخفاف الإبل ..، قالوا: وأعظم ما يُثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيلُ جمع العَدوّ؛ لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان. وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي مُحَسِّر عند الإغارة فليس بالبَيِّن، ولا يثور هناك غبار في الغالب؛ لصلابة المكان) (^٤)، كما أن الإفاضة من عرفات، ثم من مزدلفة لا تحتمل هذا العَدْو، وليس هو فيها بمحمود؛ لأنه ﷺ كان ينادي: (السكينة السكينة) (^٥)، فلو وُجِدَ لما كان موضع تفخيم وتعظيم.
خامسًا: المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب، قال الشاعر (^٦):
كأنَّ مَثَار النَّقعِ فوقَ رؤوسِنا … وأسيافنَا ليلٌ تهاوَى كواكِبه
_________________
(١) ينظر: التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣)، ولسان العرب ٢/ ٥٢٣.
(٢) التفسير الكبير ٣٢/ ٦١.
(٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣)، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري ٢/ ١٨٤.
(٤) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٣٢٧ (١٢١٨).
(٦) بشار بن برد، والبيت في ديوانه (ص: ١٤٦).
[ ١٧٠ ]
أي لشدَّة الكرِّ والفرّ، وقال الآخر (^١):
يخرجنَ من مستطير النَّقع داميةً … كأنَّ آذانَها أطراف أقلام
سادسًا: قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (قالوا: وأمَّا قولكم: إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهادٌ ولا خيلٌ تجاهد، فهذا لا يلزم؛ لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزوٍ فأغارت، فأثارت النقع، وتوسَّطَت جمعَ العدوّ، وهذا أمر معروف، وذِكرُ خيل المجاهدين أَحَقُّ ما دخل في هذا الوصف، فَذِكره على وجه التمثيل لا الاختصاص، فإن هذا شأن خيل المقاتلة، وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين) (^٢)، ولا يمنع أن تكون مكيَّة وفيها إشارة إلى الجهاد (^٣).
وقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو قول جمهور المفسرين وعامَّة اللغويين (^٤)، ومنهم: أبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والعوفي (ت: ١١١)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع (ت: ١٣٩) (^٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (^٦). وهو اختيار الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)،
_________________
(١) البيت بلا نسبة في أدب الكاتب (ص: ٨٧)، والأمالي، للقالي ٢/ ٢٥٢، ونَسَبَه في العقد الفريد ١/ ١٦١ لعدي بن الرقاع العاملي، وفي خزانة الأدب ١٠/ ٢٤٠ لعدي بن زيد العِبادي.
(٢) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣).
(٣) كما في تفسير عمر ﵁ لقوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥]، وتفسير أبي سعيد الخدري ﵁ لأول سورة الروم. ينظر: جامع البيان ٢٧/ ١٤٢، و١٢/ ٢٦، وقد عنون ابن حبيب النيسابوري (ت: ٤٠٦) لمثل هذا النوع بقوله: (ما يشبه تنْزيل المدينة في السور المكية). ينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: ٤٢).
(٤) ينظر: الزاهر، لابن الأنباري ٢/ ١٨٤، وزاد المسير (ص: ١٥٧٩)، والجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٠٥، والبحر المحيط ٨/ ٥٠٠.
(٥) جامع البيان ٣٠/ ٣٤٥، وزاد المسير (ص: ١٥٧٩).
(٦) تفسيره ٣/ ٥١٠.
[ ١٧١ ]
وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن القيم (ت: ٧٥١) (^١).
ويَبعُدُ نزوع ابن عباس عن قوله إلى قول علي، كما في رواية الاستدراك؛ لأنه مُخالف لِما اشتهر عنه القول به، ولما في شواهدِ الاستدراك وسببِ النُّزول الذي اعتمده ابن عباس. وروايةُ ابن أبي حاتم في الشواهد أصح من رواية الاستدراك، ولا رجوع فيها، فمن ثَمَّ تكون زيادة رجوع ابن عباس ﵁ ضعيفة، أو أنها كانت في أول الأمر ثم اختار غير ذلك.