فهم أبو بكر ﵁ العموم من اللفظ، وكذا غيره من الصحابة ﵃، وهذا من هديهم المُقرِّ شرعًا، قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (هذا يدل على أنهم- أي الصحابة- كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات، كما كانوا يتمسكون بها في
_________________
(١) ينظر: سنن سعيد بن منصور ٤/ ١٣٩٦، وسنن أبي داود ٣/ ١٨٤، وجامع البيان ٥/ ٣٩٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٢، والكشف والبيان ٣/ ٣٩١، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٣، والدر ٢/ ٦٤٧.
(٢) المفهم ٦/ ٥٤٧.
(٣) كلا اللفظين من روايات الاستدراك.
(٤) ينظر: أنوار التنْزيل ١/ ٢٤٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ١١٦، وينظر: التسهيل ١/ ٣٤٨.
[ ٦٥ ]
العمليات ..، فإنهم فهموا عموم الأشخاص من "مَنْ"، وعموم الأفعال من "سُوء" المذكور في سياق الشرط) (^١).
ويُلاحظ هنا أن حديث أبي بكر وباقي الصحابة ﵃ كان عن كلمة ﴿سُوءًا﴾ وعمومها لكل سيئةٍ يعملها الإنسان، والتوضيح النبوي تناول كلمة ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ وأن من الجزاء ما يكون في الدنيا قبل الآخرة، فلم يتعرض النبي ﷺ للفهم العام لكلمة ﴿سُوءًا﴾ الذي فهمه الصحابة ﵃، بل أقرهم عليه. ثم حيث جاء البيان النبوي فلا بيان بعده (^٢)، وهو ما أزال المشقّةَ واللبس في عهد النبوّة، كما أنه كان كذلك في عهد الصحابة والتابعين، فعن الربيع بن زياد (^٣) قال: قلت لأبيّ بن كعب: قول الله ﵎ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣]، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا. قال أُبيّ: (والله إن كنت لأراك أفقه ممّا أرى، لا يصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو اللهُ عنه أكثر، حتى اللدغةَ والنفحةَ (^٤) (^٥). وسُئلت عائشة ﵂ عن قريب من ذلك فقالت: (ذاك ما يصيبكم في الدنيا) (^٦).
واختار هذا المعنى ابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (^٧) (ت: ٣٣٨)، وأبو عمرو
_________________
(١) المفهم ٦/ ٥٤٦، وينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٦٥.
(٢) ينظر: الكشف والبيان ٣/ ٣٩١.
(٣) الربيع بن زياد بن أنس الحارثي، أبو عبد الرحمن البصري، مُخضرم، ولِيَ لمعاوية ﵁ خراسان، وكان الحسن البصري كاتبه، توفي سنة (٥٣). ينظر: البداية والنهاية ٨/ ٥٠، تهذيب التهذيب ١/ ٥٩٢.
(٤) النفحة: هي المَسُّ من العذاب، ويقال: نفحت الدابَّةُ برجلها إذا رمحت بِها. ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ٧٢.
(٥) جامع البيان ٥/ ٣٩٤، والدر ٢/ ٦٤٨.
(٦) جامع البيان ٥/ ٣٩٥، ومستدرك الحاكم ٢/ ٣٣٧.
(٧) أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس، من أئمة العربية، صنّفَ: إعراب القرآن، ومعاني القرآن، وغيرها، توفي سنة (٣٣٨). ينظر: معجم الأدباء ١/ ٤٦٨، والسير ١٥/ ٤٠١.
[ ٦٦ ]
الداني (^١) (ت: ٤٤٤)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (^٢)، وعليه جمهور المفسرين (^٣).
* * *