ما ذكره رسول الله ﷺ مبيّنًا فيه معنى الآية هو الموافق لحقيقة حال أهل الكتاب، كما أنه المعنى الشائع في القرآن، ونظائر هذه الآية في كتاب الله ما كانت لتخفى على من قرأها وعرفها، لكن عَديًّا ﵁ إنما سمع هذه الآية في أوّل لقائِه رسولَ الله ﷺ ليُسلِم، فكانت من أوّل ما طرق سمعه من كلام الله ﷿، فلم يتفطّن لذلك المعنى القرآني الشائع فيه، وإنما فهمَ ما عهدَ من معنى اتخاذ الأرباب، واستلزامه صُوَرًا من العبادة معيَّنةً ما كان اليهود والنصارى يصرفونها لأحبارهم ورهبانهم.
وهو أيضًا ما دَلَّ عله السياق قبله وبعده، ففي الآية قبل ذلك قوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة ٢٩]، فممّا وُصِف به الذين أُوتوا الكتاب في هذه الآية، عدم تحريمهم لِما حَرَّم الله ورسوله، فأحَلُّوا الحرام وحَرَّموا الحلال، وهو ما ذُكِرَ بعد ذلك في هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، ثُمَّ في الآية بعدها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ
_________________
(١) قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣) عند هذه الآية: (وهذا الشرك في قوله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ هو الشرك الأكبر المُخرج عن مِلَّةِ الإسلام بإجماع المسلمين). العذب النمير ٥/ ٢٢٦٨.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٧/ ٦٧، والعذب النمير ١/ ٣١٨.
[ ٧٣ ]
وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٤]، ومن أوضح سبلهم في أكل أموال الناس بالباطل تحليل ما حَرَّمَ الله، وتحريم ما أحل الله، تبعًا لأهوائهم، وإرضاءً لأتباعهم، قال الآلوسي (ت: ١٢٧٠): (وقيل اتخاذهم أربابا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ﷿ وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ (^١).
وقال الشنقيطي (^٢) (ت: ١٣٩٣): (وهذا التفسير النبوي المقتضي: أن كُلَّ من يتبع مُشَرِّعًا فيما أحلَّ وحرَّم، مُخالفًا لتشريع الله، أنّه عابد له، مُتَّخِذه رَبًّا، مُشركٌ به، كافرٌ بالله = هو تفسير صحيح لاشك في صحته، والآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تُحصيها في المصحف الكريم) (^٣).
وهو ما ذَهَب إليه جمهور المفسرين كمقاتل (^٤) (ت: ١٥٠)، والفرَّاء (^٥) (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (^٦) (ت: ٣٧٥)، والثعلبي
_________________
(١) روح المعاني ١٠/ ٨٤.
(٢) محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، أصولي لغوي مفسر، صَنَّفَ: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، توفي سنة (١٣٩٣). ينظر: الأعلام ٦/ ٤٥، وأضواء البيان ١٠/ ٢٦٧.
(٣) العذب النمير ٥/ ٢٢٦٦، وينظر: تفسير السمعاني ٢/ ٣٠٣.
(٤) مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي مولاهم، أبو الحسن البلخي، المفسر المقرئ، اشتهر علمه بالتفسير، وعن الشافعي: (الناس عيال في التفسير على مقاتل)، صَنَّفَ: التفسير الكبير، ونوادر التفسير، والوجوه والنظائر، توفي سنة (١٥٠). ينظر: السير ٧/ ٢٠١، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٢٠).
(٥) يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي مولاهم الكوفي، أبو زكريا الفراء، من أئمة نحاة الكوفة، والمُقَدّم فيهم، قال ابن تيمية: (والفراء في الكوفيين، مثل سيبويه في البصريين) مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٥٨. له كتاب: معاني القرآن، وغيره، توفي سنة (٢٠٧). ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٨١٢، وبغية الوعاة ٢/ ٣٣٣.
(٦) نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الليث السمرقندي، إمام الهدى، من كبار أئمة الحنفية، فقيه مفسر، صَنَّفَ تفسيره المسمى: بحر العلوم، توفي سنة (٣٧٥). ينظر: السير ١٦/ ٣٢٢، والجواهر المضيئة ٣/ ٥٤٤.
[ ٧٤ ]
(ت: ٤٢٧)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والماوردي (^١) (ت: ٤٥٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٦) ونسبه للأكثرين من المفسرين (^٢)، وغيرهم (^٣).