في هذا الحديث استدراك نبويٌ على قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، نَبَّه فيه رسول الله ﷺ صحابته إلى معنىً أولى من المعنى المُتَبادر المعروف عندهم، فلَم يَنفِ المعنى الأوَّل، إذ هو صحيح في أصله، وإنما ذكر معنىً آخر أولى وأكمل منه، وأحرى
_________________
(١) شرح صحيح مسلم ٣/ ١٠٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/ ٥٣٥ (٦١١٤)، ومسلم في صحيحه ٦/ ١٢٥ (٢٦٠٩).
(٣) المُفهِم ٣/ ٨٤.
(٤) نقله الطِّيبِي (ت: ٧٤٣) في شرح المشكاة ٥/ ١٥٠٥ عن الخطابي (ت: ٣٨٨)، ونَصَّ عليه ابن عطيَّة (ت: ٥٤٦) بقوله: (فدَلَّ هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطَّوَّاف). المحرر الوجيز ٣/ ٤٩.
[ ٨٦ ]
بالاهتمام (^١). واستشهد النبي ﷺ على المعنى الذي ذكره بآية قرآنية فَسَّرَ بها لفظة: التعفُّف، فقال: (اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣])، وتمام الآية ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٧٣]، فالحديث جَمَع بين التعفُّف وعدم السؤال، والآية جَمَعت بين التعفُّف وعدم السؤال إلحافًا، فصار المُراد بالإلحاف: عدم السؤال، لا عدم الإلحاح فيه؛ للاستشهاد النبوي به على ذلك؛ ولاقترانه في الآية بصفة التَّعَفُّف المتضمنة عدم السؤال، ولقوله ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٧٣]، ولو كانت المسألة من شأنهم لَمَا كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، فيصير المعنى: ليس لهم سُؤال فيقع فيه إلْحَاف (^٢)، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهو الذي عليه جمهور المفسرين) (^٣).
وفيه من المسائل أنه لا يلزم من الاستدراك على قولٍ تخطئته وإبطاله، وإنما قد يكون أخَفَّ من ذلك؛ بذكر معنىً أَوْلى من المعنى المذكور؛ لوجه من وجوه التقديم، كما هو في هذا الحديث.
* * *
_________________
(١) المُحرر الوجيز ٣/ ٤٩.
(٢) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٣٦، تفسير السمعاني ١/ ٢٧٨، ومعالم التنْزيل ١/ ٣٣٨، والمحرر الوجيز ١/ ٣٦٩.
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٣٦٩.
[ ٨٧ ]