ليس فيما ذهب إليه نصارى نجران في هذه الشبهة وجهٌ صحيح، لا من سياق النصِّ، ولا من سياق الواقع، فليس في النص ما يشير إلى أن هارون الذي نُسِبَت إليه مريم هو هارون بن عمران، أخو موسى ﵉، وكُلُّ من له أدنى معرِفةٍ بالتاريخ يُدرِكُ ما بينهما من سنين متفاوتةٍ، وأجيالٍ مُتتابعة، ومِمَّا يَدُلُّ على جهلهم وخطئِهم، ما
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٩.
(٢) كما في رواية الترمذي في الجامع ٥/ ٣١٥ (٣١٥٥)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٣٩٣ (١١٣١٥).
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٨.
[ ٨٩ ]
روى ابن سيرين (ت: ١١٠) قال: (نُبِّئتُ أن كعبًا (^١) قال: إن قوله تعالى ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبتَ (^٢). قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجِدُ بينهما ستّ مئةِ سنة (^٣)، قال: فسكتَت) (^٤).
وفي بيان رسول الله ﷺ الكفاية والهداية، وبه يجتمع سياق النصِّ، وسياق الواقع، وقد انحصرَ به المعنى في أحد وجهين:
الأوّل: أن لِمَريم ﵍ أخًا اسمُهُ هارون، على اسم نبي الله هارون بن عمران ﵇، جريًا على عادتهم في التسَمِّي بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، وهو قول الضحَّاك (ت: ١٠٥)، والكلبي (ت: ١٤٦)، والفراء (ت: ٢٠٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٥٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) وقال: (وقد ورد الحديث الصحيح الدالُّ على أنه قد كان لها أخٌ اسمه هارون، وليس في ذكر قصَّة ولادتها،
_________________
(١) كعب بن ماتع الحِمْيَري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، أدرك الجاهلية وكان يهوديًّا فأسلم في أيّام أبي بكر أو في أيام عمر ﵃، قال أبو الدرداء ﵁: (إنَّ عند ابن الحِميَري لَعِلمًا كثيرًا)، سكن حِمصًا، وبها توفي سنة (٣٢). ينظر: السير ٣/ ٤٨٩، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٧١.
(٢) أي: أخطأت؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النيّة والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمُخطئ لا يعلم، وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ، قال الأخطل: كذبتك عينُك؟ أم رأيت بواسِطٍ غَلَسَ الظلام من الرَّبابِ خيالًا؟ ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ١٣٨، وفتح الباري ٨/ ٦٤١، والروض الباسم ١/ ١٦٦، ولأبي بكر ابن الأنباري رسالة في معاني الكذب، لَخَّصها البغدادي في خزانة الأدب ٦/ ١٩٤.
(٣) قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) في تفسيره ٥/ ٢٢٢٠: (وفي هذا التاريخ نظر).
(٤) جامع البيان ١٦/ ٩٧ (١٧٨٤٩)، والدر ٥/ ٤٤٧. وينظر: الكافي الشافِ ٣/ ١٤.
(٥) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٢/ ١٦٧، والكشف والبيان ٦/ ٢١٣، والوسيط ٣/ ١٨٢، وزاد المسير (ص: ٨٨٤)، والتفسير الكبير ٢١/ ١٧٧، والمُفهِم ٥/ ٤٦٠، والبحر المحيط ٦/ ١٧٦.
[ ٩٠ ]
وتحرير أُمِّها لها، ما يدل على أنها ليس لها أخٌ سواها) (^١)، ثم ذكر حديث المغيرة السابق، وقال: (والمقصود أنهم قالوا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]، ودلَّ الحديث على أنها قد كان لها أخٌ نَسَبيّ، اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاح والخير) (^٢)، واختاره السعدي (^٣) (ت: ١٣٧٦) وقال: (الظاهر أنه أخٌ لها حقيقي، فنسبوها إليه) (^٤)، وابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣) وقال: (وهذا أظهر الوجهين) (^٥).
الثاني: أنهم نَسَبوا مريمَ ﵍ إلى رجلٍ صالحٍ في بني إسرائيل اسمُه هارون، على اسم نبي الله هارون ﵇؛ لأنها تشبهه في العبادة والتقوى، فهو من باب أُخُوَّة الدين، أو إطلاق اسم الأخ على النظير المُشابه، ومنه قوله تعالى ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف ٤٨]، وقوله ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧]، ومنه في كلام العرب (^٦):
وكُلُّ أخٍ مُفارقه أخوه … لَعَمرُ أبيك إلا الفَرقدانِ
فجعل الفرقدين أخوين، وكثيرًا ما تُطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب. (^٧)
وهو قول كعب (ت: ٣٢)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن قتيبة
_________________
(١) البداية والنهاية ٢/ ٥٣، وينظر: تفسيره ٥/ ٢٢١٩.
(٢) البداية والنهاية ٢/ ٥٣.
(٣) عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي، أبو عبد الله الحنبلي، المُفَسِّر الفقيه، صَنَّف تيسير الكريم الرحمن، في التفسير، والقواعد الحسان، توفي سنة (١٣٧٦). ينظر: الأعلام ٣/ ٣٤٠، والموسوعة الميسرة ٢/ ١٢٠٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ١/ ١٠٤٥.
(٥) التحرير والتنوير ١٦/ ٩٥.
(٦) البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي. ينظر: مجاز القرآن ١/ ١٣١، وجامع البيان ٥/ ٢٢٢.
(٧) ينظر: المسائل والأجوبة (ص: ٢٠٥)، والكشف والبيان ٦/ ٢١٣، وأضواء البيان ٤/ ٢٠٧.
[ ٩١ ]
(ت: ٢٧٦)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرناه- أي: حديث المغيرة-، وأنها نُسِبَت إلى رجلٍ من قومها)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨). (^١)
والمعنى الأوَّل أرجح؛ فإن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى خلاف الظاهر إلا عند التَّعَذُّر (^٢)، وهو ظاهر الآية والحديث، كما أنه الأوفق للسياق؛ فإنهم قالوا بعد أن نسبوا مريم إلى أخيها هارون ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨]، (أي: لستِ من بيتٍ هذا شيمتهم، ولا سجيَّتُهم، لا أخوك، ولا أمّك، ولا أبوك) (^٣)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤) عند ترجيحه لهذا القول: (الثاني: أنها أُضيفت إليه، وَوُصِفَ أبواها بالصلاح، وحينئذٍ يصير التوبيخ أشدّ؛ لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة، يكون صدور الذنب عنه أفحش). (^٤)
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٢٢، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٥٨، وتفسير غريب القرآن (ص: ٢٣٣)، والمسائل والأجوبة (ص: ٢٠٥)، وجامع البيان ١٦/ ٩٧، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ٣٢٧، وإعراب القرآن، له أيضًا ٣/ ١٠، والجُمان في تشبيهات القرآن (ص: ٢٤١)، والتفسير الكبير ٢١/ ١٧٧، ودرء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٩. وزاد الرازي نسبته للمغيرة بن شعبة ﵁، ولم أجد له في ذلك إلا الرواية. وهاهنا مسألة تظهر للناظر في كتب التفسير، وهي: نسبة القول لأحد المفسرين هل تعتمد على: نص قوله؟ أو على لازم قوله؟ أو على لازم قوله في آية أُخرى سابقة أو لاحقة؟ أو على اختياره في الوقف في الآية؟ أو على مجرد روايته؟. وأكثر ما تبرز هذه المسألة عند عزو القول لأحد المفسرين، وقد وقفت في كتب التفسير على أمثلة لكل نوع، وهي مسألة جديرة بالتحرير والتأصيل؛ لتوقي نسبة قولٍ لغير صاحبه، ولاجتناب تكثير الأقوال وتشقيقها بما لا طائل تحته.
(٢) التفسير الكبير ٢١/ ١٧٧.
(٣) البداية والنهاية ٢/ ٥٣، ومثله في: معاني القرآن، للفراء ٢/ ١٦٧.
(٤) التفسير الكبير ٢١/ ١٧٧.
[ ٩٢ ]