احتوى مصطلح "استدراكات السلف في التفسير" مفرداتٍ عِدَّةً، يحسن الوقوف على معانيها قبل تركيبها؛ لتكون مدخلًا مُوَضِّحًا للمعنى الإضافي المُرَكَّب لهذا المصطلح.
فأصل كلمة "اسْتِدْرَاك" بعد تجريدها من الزوائد: "دَرَكَ"، قال ابن فارس (^١) (ت: ٣٩٥): (الدال والراء والكاف أصلٌ واحد وهو: لحوق الشيء بالشيء ووصُوله إليه، يُقال: أدركت الشيء أُدركه إدراكًا ..، ويقال: أَدرَك الغلام والجارية إذا بلغا، وتدارك القوم: لحق آخرُهم أوَّلَهم) (^٢)، ووزنُ "اسْتِدْرَاك": "اسْتِفْعَال" يفيد معنى الطلب، وتستخدم في المعاني، قال الزمخشري (^٣) (ت: ٥٣٨): (وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه، واستدرك عليه قوله) (^٤)، وفي المعجم الوسيط: (تدارك الشيء بالشيء: أتبعه به، يقال: تدارك الخطأ بالصواب والذنب بالتوبة ..، واستدرك عليه القولَ: أصلحَ خطأهُ، أو أكمل نقصَه، أو أزال عنه لَبْسًا) (^٥).
_________________
(١) أحمد بن فارس بن زكريّا، أبو الحسين الرازي، أحد أئمة اللغة، صَنَّف «الصاحبي في فقه اللغة»، و«مقاييس اللغة» وغيرها، توفي سنة (٣٩٥). ينظر: السير ١٧/ ١٠٣، وبغية الوعاة ١/ ٣٥٢.
(٢) مقاييس اللغة ١/ ٤٠٤، وينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٠٧.
(٣) محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم، جار الله، إمام في اللغة والنحو والأدب، صَنَّف «الكشاف»، رأسٌ في الاعتزال، توفي سنة (٥٣٨). ينظر: السير ٢٠/ ١٥١، وبغية الوعاة ٢/ ٢٧٩.
(٤) أساس البلاغة ١/ ٢٨٥، وينظر: القاموس المحيط (ص: ٨٤٤)، والموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٢٦٩.
(٥) المعجم الوسيط ١/ ٢٨١، وينظر: بصائر ذوي التمييز ٢/ ٥٩٤.
[ ٢٣ ]
وهذا المعنى الأخير هو المقصود بهذه اللفظة في هذا المقام، ويُستخلص منه وممّا سبق ما يأتي:
- أن في الاستدراك سابقًا مُستَدرَكًا عليه، ولاحقًا مُستَدرِكًا.
- وأن فعله لازم ومُتعَدٍ (^١).
- وأن اللاحق في الاستدراك مُصلِحٌ لخطأِ الأوّل، أو مكمِّلٌ لنقصِه، أو كاشفٌ عنه لَبْسَه.
ومن ثَمَّ يمكن صياغة معنىً جامعٍ للاستدراك من مجموع ما سبق فيُقال: الاستدراك هو:
إِتْبَاعُ القولِ الأولِ بقولٍ ثانٍ، يُصْلِحُ خَطَأهُ، أو يُكْمِلُ نَقصه، أو يُزيلُ عنه لبسًا.
وعلى هذا المعنى جرى استخدام العلماء لهذه الكلمة في مُؤلفاتهم وتعَقُّباتهم في شتى العلوم. (^٢)
_________________
(١) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي (ص: ٢٧٦).
(٢) من أشهر ما أُلِّفَ في ذلك: «جزء فيه استدراك أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة» لأبي منصور الشيحي البغدادي (ت: ٤٨٩)، وبنى عليه الزركشي (ت: ٧٩٤) كتابه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»، ولخصه السيوطي (ت: ٩١١) وزاد عليه في «عين الإصابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة». ومن الاستدراكات في العلوم المختلفة: - «المُتَدارك على المَدارك» لابن الضياء العَدَويّ محمد بن أحمد الصاغاني الحنفي (ت: ٨٥٤)، عمله على تفسير النسفي، ووصل فيه إلى آخر سورة هود، وأتمَّه أبوه. ينظر: الضوء اللامع ٧/ ٨٤. - «المستدرك على الصحيحين» للحاكم (ت: ٤٠٥)، ولأبي ذر الهروي (ت: ٤٣٤). يُنظر: كشف الظنون ٢/ ١٦٧٢، والرسالة المستطرفة (ص: ٢٤، ٢٦). - «المستدرك في فروع الشافعية» لإسماعيل بن محمد البوشنجى الشافعي (ت: ٥٣٦). يُنظر: كشف الظنون ٢/ ١٦٧٣. - استدراكات ابن الخشاب النحوي (ت: ٥٦٧) على المقامات للحريري، وانتصر فيها لابن برّي. يُنظر: كشف الظنون ٢/ ١٧٩١. - «الاستدراك على القاموس» لزين الدين المُناوي (ت: ١٠٣١)، ومثله لابن معصوم الحسني (ت: ١١١٩). يُنظر: معجم المعاجم (ص: ٢٣٩). وللوقوف على معنى الاستدراك عند النحويين، والأصوليين، والفقهاء، ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٢٦٩.
[ ٢٤ ]