بعد معرفة معاني مفردات هذا المصطلح، يتكامل بها المعنى الإضافي له، فيُقال:
استدراكات السلف في التفسير هي:
إِتْبَاعُ المُفَسِّر مِنَ السَّلَفِ قَولًا يَذكُرُه أو يُذكَرُ لَهُ في بيان المعنى المراد من الآية القُرْآنِ الكَرِيمِ بِقَولٍ آخَرَ يُصْلِحُ خَطَأَهُ، أَوْ يُكْمِلَ نَقْصَهُ.
فخرج بقولنا: "إتباع المفسر" ما عداه من أنواع الاختلاف بين المفسرين؛ إذ إن استدراكات السلف في التفسير بهذا المعنى تعتبر نوعًا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، تتميز به عن مجرد عرض الأقوال الأخرى: بنوعِ نقدٍ واعتراضٍ وتَعَقُّبٍ وتكميلٍ (^١).
كما يخرج بقولنا: "من السلف" من بعد القرون الثلاثة المفضلة، وقد أصبحت الاستدراكات ظاهرةً في كثير من كتب التفسير بعد ذلك (^٢).
وفي قولنا: "قولًا يَذكُره أو يُذكَرُ له" توضيح لِطَريقَي الاستدراك على القول السابق، وهما:
الأول: أن يذكر المفسرُ القولَ الأوّل بِنَفْسِه ثم يستدرك عليه، وهذا استدراك على مُطلق القول، بغض النظر عن قائله، أو أنه قد قيل، أو لِخشية المُفَسِّر من أن يُفهم أو يُقال، فيورده احترازًا منه، وتنبيهًا عليه، ورُبَّما سَمَّى قائله.
_________________
(١) يُشَار هنا إلى أنه لا يلزم من مجرد الاستدراك تضعيف القول الأوّل وتخطئته، بل قد يكون لغير ذلك من الأغراض، كتكميل النقص، وإزالة اللبس، والتوجيه إلى معنىً أولى من المعنى المذكور لوجه من الوجوه، وسيأتي بيان ذلك- إن شاء الله تعالى- في موضعه من البحث.
(٢) ينظر في بيان ذلك تطور الاستدراكات في التفسير في الفصل الأول من الباب الثاني.
[ ٤٥ ]
الثاني: أن يُذكَر للمفسر القول الأوّل فيستدرك عليه، وهو استدراك على قول مُعَيّن قد فُهم كذلك من السائل، أو قد قيل من غيره فينقله للمفسر.
وفي قولنا: "في بيان المعني المراد من الآية القرآن الكريم" إخراج لما عدا ذلك مما زاد عن حَدِّ البيان وتحديد المراد، على ما سبق بيانه في معنى التفسير اصطلاحًا.
وقولنا: "يصلح خطأه، أو يكمل نقصه" يُبيّن غرض المستدرك من استدراكه وهو أحد أمرين:
أولًا: إصلاح خطأِ القول الأول، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التضاد بين القولين؛ السابق واللاحق.
ثانيًا: تكميل نقص القول الأوّل، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التنوّع بين القولين؛ السابق واللاحق.
وصورة هذا النوع من الاعتراض عند السلف: أن يتعقب المفسر منهم القولَ المذكورَ في تفسير الآية، مبينًا سبب ضعفه ورجحان غيره عليه أحيانًا، مع ذكره لرأيه في الآية، ووجه ترجيحه أحيانًا أخرى.
* * *
[ ٤٦ ]
الباب الأول
دِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ
"اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ "
فِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى
وهي على الترتيب التالي:
أولًا: الاستدراكات النبوية، وبلغت ثلاثةَ عشرَ استدراكًا (من: ١، إلى: ١٣).
ثانيًا: استدراكات الصحابة، وبلغت واحدًا وأربعينَ استدراكًا (من: ١٤، إلى: ٥٤).
ثالثًا: استدراكات التابعين، وبلغت عشرينَ استدراكًا (من: ٥٥، إلى: ٧٤).
رابعًا: استدراكات أتباع التابعين، وبلغت ستةَ استدراكات (من: ٧٥، إلى: ٨٠).
[ ٤٧ ]