بعد أن تبيَّنت حدود مصطلح السلف الزمانية والمنهجية، تجدر الإشارة إلى شيء من فضائل السلف الثابتة لهم شرعًا، مع بيان منْزِلة علمهم، ووجه تَقَدُّمِهِم وإمامَتِهِم، من خلال عرض موجز لنصوص الكتاب والسنة، وكلام الأئمة.
فمن النصوص الشرعية في بيان فضل السلف قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]، وقوله سبحانه ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ١٠٠]. ففي الآية الأولى توعَّدَ من اتبع غير سبيل المؤمنين بالمصير إلى جهنم، ولا شك أن السلف هم أوّل من يشملهم اسم الإيمان من المؤمنين الذين نهى الله تعالى عن اتباع غير سبيلهم، وفي الآية الثانية وعَدَ الذين يتبعون سبيل المهاجرين والأنصار- وهم الصحابة- بإحسان، بالرضوان والجنان وذلك الفوز العظيم (^٢).
ومن السنة قوله ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم
_________________
(١) ويدل عليه تسمية السيوطي لتفسيره ب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور. وقد أخرج فيه تفاسير السلف في القرون الثلاثة الأولى. وينظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٤٩، ومقدمة ابن خلدون ٢/ ١٢٠.
(٢) ينظر: إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٦.
[ ٣٣ ]
الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه) (^١)، قال النووي (^٢) (ت: ٦٧٦): (وقد اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ (^٣)، وقال ابن حجر (^٤) (ت: ٨٥٣): (واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين) (^٥).
وعن العرباض بن سارية ﵁ في حديثٍ طويلٍ- قال: قال رسول الله ﷺ: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (^٦)، فدل الحديث على لزوم التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وسنة أصحابه ﵃، وترك ما خالفها، أو أُحدِث بعدها، خاصَّة في زمن الاختلاف والتفرق. (^٧)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٣٠٦ (٢٦٥٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٦٨ (٢٥٣٣).
(٢) يحيى بن شرف النووي، محيي الدين أبو زكريا، الدمشقي الشافعي، إمام عالم فقيه، صنف شرحه لصحيح مسلم، والمجموع في شرح المهذب، توفي سنة (٦٧٦). ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٠، وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٥.
(٣) شرح صحيح مسلم ٦/ ٦٦، وينظر: فتح الباري ٧/ ٨.
(٤) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، شهاب الدين، الحافظ المحقق، ألّف فتح الباري شرح صحيح البخاري، والعُجاب في بيان الأسباب، وغيرها، توفي بِمصر سنة (٨٥٢). ينظر: الضوء اللامع ٢/ ٣٦، وشذرات الذهب ٩/ ٣٩٥.
(٥) فتح الباري ٧/ ٨.
(٦) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٦ (١٧١٨٢)، وأبو داود في السنن ٤/ ٢٠٠ (٤٦٠٧)، والترمذي في الجامع ٥/ ٤٤ (٢٦٧٦)، وابن ماجه في السنن ١/ ١٥ (٤٢)، والدارمي في المسند ١/ ٥٧ (٩٥)، وابن حبان في صحيحه ١/ ١٧٨، والحاكم في المستدرك ١/ ١٧٦ (٣٢٩)، والبيهقي في السنن ١٠/ ١١٤ (٢٠١٢٥)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٤٨ (٦٢٣). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان، والحاكم، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٧) ينظر: الشريعة، للآجُرِّي ١/ ١٧٠.
[ ٣٤ ]
وهذه بعض أقوال الأئمة في بيان فضل السلف ومَنْزلة علمهم (^١):
- قال ابن مسعود ﵁: (لا تقلدوا دينَكم الرجالَ، فإن أبيتم فبالأمواتِ لا بالأحياءِ) (^٢).
- وعن محمد بن سيرين (^٣) (ت: ١١٠) قال: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر) (^٤).
- وقال الأوزاعي (^٥) (ت: ١٥٧): (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكُفّ عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم) (^٦).
- وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة- في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة- أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة؛ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين،
_________________
(١) ينظر: الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات (ص: ٦١).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٠٥.
(٣) محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته، من علماء التابعين، مولاه أنس بن مالك ﵁، سمع عددًا من الصحابة، توفي سنة (١١٠). ينظر: السير ٤/ ٦٠٦، والبداية والنهاية ٩/ ٢٢٥.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٩٨.
(٥) عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي، أبو عمرو الشامي، الإمام الفقيه، له مذهب مستقل مشهور عمل به فقهاء الشام والأندلس مُدّة ثم فَنِي، توفي ببيروت سنة (١٥٧). ينظر: السير ٧/ ١٠٧، والبداية والنهاية ١٠/ ٩٤.
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٧٤.
[ ٣٥ ]
وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام ..، وما أحسن ما قال الشافعي- ﵀ في رسالته: هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) (^١).
- وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام؛ ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ..، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به) (^٢).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧، وينظر منه: ١/ ٣٧٥، ٤/ ١٤٩، و١٣/ ٢٤.
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: ٦٧، ٦٨).
[ ٣٦ ]