قِصَّةُ هذه الرواية: (أن ابن عباس ﵁ وكعب الأحبار اجتمعا بعرفة، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم ونقول: إن محمدًا رأى ربَّه مرتين. قال: فكبَّرَ كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيَتَه وكلامه بين محمد وموسى، فكَلَّمَه موسى، ورآه محمدٌ بقلبه- وعند الترمذي: فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد مرتين-. قال الشعبي: فأتى مسروقُ عائشةَ فقال: يا أُمَّتاه، هل رأى محمد ﷺ ربَّه؟) الحديث (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٤٧٢ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٥٣ - سورة والنجم، برقم: ٤٨٥٥)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣٨٦ (كتاب ١ - الإيمان، باب ٧٧ - معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣]، برقم: ١٧٧).
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه ٥/ ٣٩٤ (٣٢٧٨)، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٢٥١ (٣٠٣٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٣٣٣ (٣١٨٣٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٧/ ٦٨، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٢٩ (٤٠٩٩).
[ ٩٨ ]
فهذا سببُ سؤالِ مسروق، وما أجابت به عائشةُ ﵂ (^١). وفي جوابها استشكل مسروق نفيها رؤيَةَ محمد ﷺ رَبَّه، وأورد في ذلك آيتي التكوير والنجم، حيث فهم منهما أن الضمير في قوله تعالى ﴿رَآهُ﴾ في كلا الآيتين عائد على الله تعالى، وهو ما كان مُحتَملًا عند عائشة ﵂، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأجاب بأن المُراد بهما جبريل ﵇. وهو ما اعتمدت عليه عائشة ﵂ في جوابها لمسروق.
فكان مُعتَمَد مسروق فيما ذهب إليه احتمال الضمائر في سياق كِلا الآيتين أن يكون المُراد بها ربَّ العالمين (^٢)، إضافةً إلى ما توافق عليه ابنُ عباسٍ وكعبٌ من إثبات رؤية رسول الله ﷺ ربَّه مرَّتين.
واعتمدت عائشة ﵂ في ما ذهبت إليه على بيان رسول الله ﷺ، وتحديده المُراد، ثم استشهدت على صِحَّةِ قولها وإبطال القول الآخر بآياتٍ أُخَر توافق هذا المعنى عندها، وهُما قوله تعالى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١] (^٣).