لَمَّا احتمل قولُ الله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥] تركَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خلاف ما استقر عند الصحابة ﵃ وتابعيهم، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن، سألَ أبو أُميّة الشعباني أبا ثعلبة الخُشَني ﵁ عن ذلك المعنى، أخذًا بظاهر اللفظ، وهو ما سألَ عنه أبو ثعلبة رسولَ الله ﷺ، فأجابه: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر)، فأبان الجواب عن المراد في الآية، وأنه ليس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أيّ حالٍ، بل هو في حالةٍ مخصوصة بَيَّنها الحديث، وهي عند الجزم بعدم فائدته؛ لعدم قبوله من أهل الضلال، ولا يُعرف ذلك عادةً إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما دَلَّ عليه قوله ﷺ: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت ..)، فأرشد إلى لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يرى من أهل الضلال ما يعلم به عدم منفعة أمره ونهيه، وعدم قبولهم له، وهذا بيانٌ لقوله تعالى في الآية ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، أي: بقيامكم بما أوجب الله عليكم من طاعته، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ضلَّ بعد ذلك فلا يضركم.
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (والاهتداء إنما يكون بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضُرُّه ضلال الضُّلاّل) (^١)، وقال الجصاص (^٢) (ت: ٣٧٠): (وهذه دلالة فيه- أي الحديث- على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر؛ لأن ذِكرَ تلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ١٢٧.
(٢) أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الحنفي، عالم العراق، إليه المنتهى في معرفة المذهب، صنّف في أحكام القرآن، وانتصر فيه للأحناف، توفي سنة (٣٧٠). ينظر: السير ١٦/ ٣٤٠، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٤٤).
[ ١٠٤ ]
الحال تُنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان؛ لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب، كما قال ﷺ: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) (^١)، فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذُكِر، كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب؛ للتقية، ولتعذر تغييره، وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقيةً، بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان، قال الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحل ١٠٦]، فهذه منْزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (^٢). وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (وهذه الصفات المذكورة في الحديث، من الشُّح المُطاع، والهوى المُتَّبَع، الخ، مَظنَّةٌ لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدَلَّ الحديث على أنه إن عُدِمَت فائدته سقط وجوبه) (^٣).