القول الأول الذي ذهب إليه الصحابة ﵃ في فهم الآية هو عموم الظلم؛ الذي يشمل جميع مراتبه من أعلاها وهو الشرك، حتى أدناها وهي الصغائر، وكلها ظلم للنفس، فصار المعنى عندهم ﵃: أن من وقع في ظلمٍ لنفسه ولو بصغائر الذنوب التي لا يسلم منها أحد- إلا من عصم الله-؛ فقد حُرِمَ الأمن والاهتداء الموعود بهما من سلم إيمانه من أن يُخالطه أيّ ظلم كان (^٢).
ومرتكز هذا الفهم من الصحابة ﵃ هو الأصل اللغوي لكلمة الظلم في سياقها العام، فإن أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه (^٣). وهم أهل اللسان والبيان، وبه نزل القرآن، فلذلك شَقَّ عليهم ﵃،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٠٩، (كتاب ٢ - الإيمان، باب ٢٣ - ظلم دون ظلم، برقم: ٣٢)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣٠٧، (كتاب ١ - الإيمان، باب ٥٦ - صدق الإيمان وإخلاصه، برقم: ١٢٤).
(٢) شرح النووي على مسلم ١/ ٣٠٨، وعمدة الحفاظ ٣/ ١١.
(٣) ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٩٩، والقاموس المحيط (ص: ١٠٢٢).
[ ٤٩ ]
قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والذي يظهر لي أنهم- أي الصحابة- حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف (^١)، وإنما حملوه على العموم لأن قوله ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] نكرة في سياق النفي) (^٢).
أمّا المعنى الثاني في هذه الآية فهو التفسير النبوي الكريم، الذي أبان معنىً آخر لكلمة الظلم، هو بعض معناها العام الذي فهمه الصحابة ﵃، وقد بيّن النبي ﷺ أن المراد بالظلم في هذه الآية: الشرك. وذلك بحسب ورودها في القرآن الكريم في مواضع أُخر، مع إقرار الوحي له على ذلك، وبهذا سُرِّيَ عن الصحابة ﵃ ما وجدوه من مشقّةٍ في فهمهم الأوّل لعموم الظلم.
فمرتكز هذا البيان النبوي الكريم ما يأتي:
أولًا: الوحي، ابتداءً أو تقريرًا.
ثانيًا: صحّة المعنى لُغَةً؛ إذ الشرك من معاني الظلم وهو أعلى مراتبه، كما سبق، قال ابن قتيبة (^٣) (ت: ٢٧٦): (أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم قد يصير الظلم بمعنى الشرك؛ لأن من جعل لله شريكًا فقد وضع الربوبية غيرَ موضعها) (^٤).
ثالثًا: الاعتماد على ورود كلمة الظلم بذلك المعنى في مواضع كثيرة من القرآن
_________________
(١) أي البخاري في تبويبه لهذا الحديث بقوله: (باب: ظلم دون ظلم) أي أن الظلم درجات. ينظر: الفتح ١/ ١١١.
(٢) فتح الباري ١/ ١١٠.
(٣) عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الدينَوَري، رأسٌ في العربية، خطيب أهل السنة، صنف: مُشكل القرآن، وغريب القرآن، توفي سنة (٢٧٦) على الصحيح. ينظر: السير ١٣/ ٢٩٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٧٥).
(٤) تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٥٨)، والمسائل والأجوبة (ص: ٢٧٠)، وينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٣٠٨، وفتح الباري، لابن رجب ١/ ١٤٤، والتحرير والتنوير ٧/ ٣٣٢.
[ ٥٠ ]
الكريم، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (أكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يُراد به الكُفّار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم ٤٢]، وقوله ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٤]، ومثل هذا كثير) (^١)، ومنه قوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس ١٠٦].
رابعًا: دلالة السياق على هذا المعنى النبوي، قال الرازي (ت: ٦٠٦) (^٢): (المراد من الظلم الشرك ..، والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة (^٣) من أوّلها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك) (^٤).