واضح من الرواية ذهاب ابن مسعود ﵁ إلى أن البطشة الكبرى: يوم بدر، وحكى ذلك ابن عباس ﵁ ثم أتبَعَه مُؤكدًا قوله، إن البطشة الكبرى: يوم القيامة، واختيارهما لهذه المعاني في الآية مبنيٌّ على اختيارهما لمعنى الآيات قبلها، وهي قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ
_________________
(١) ينظر: جامع البيان ٢٢/ ٧، والكشاف ٣/ ٥٢١، وأنوار التنْزيل ٢/ ٨٣٥، والبحر المحيط ٧/ ٢٢٤.
(٢) ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٤٥٢، والمحرر الوجيز ٤/ ٣٨٤، والإكليل ٣/ ١١٠٩.
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٥/ ١٥٢ (٢٤٠٤٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٣٥٤ لعبد بن حميد. من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيَّة، عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة. وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٦٥، والسيوطي في الدر ٧/ ٣٥٤.
[ ١٥٢ ]
مَّجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٦]، فذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن جميع ذلك في الدنيا، فعن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة- وفي لفظ: في المسجد، عند أبواب كندة (^١) -، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيتُ بن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال: (من علم فليَقُل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: (اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف)، فأخذتهم سَنةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله. فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ الإٌ قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٥]. أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان ١٦] يوم بدر) (^٢).
وذهب ابن عباس ﵁ إلى أن ذلك الدخان لم يأتِ، وهو آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، فعن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: (ما نِمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت) (^٣).
_________________
(١) بابٌ بالكوفة. ينظر: شرح النووي على مسلم ٦/ ٢٨٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٧٠ (٤٧٧٤)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٨٠ (٢٧٩٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣/ ١٨٢ (٢٨٠٥)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٠٦ (٨٤١٩)، وابن جرير ٢٥/ ١٤٧ (٢٤٠٢٣)، وابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٦٤، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٣٥٣ لعبد بن حميد وابن المنذر. وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن كثير، والسيوطي.
[ ١٥٣ ]
فكلاهما أجرى تفسيره لهذه الآية بحسب سياق الآيات قبلها، وقَوَّى المعنى عند ابن مسعود ﵁ قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]، إذ قال: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!)، فصار المراد بذلك في الدنيا لا الآخرة.