ذهب ابن عباس ﵁ إلى أن عِدَّةَ الحامل المُتَوفَّى عنها زوجُها أبعَدَ الأجلَين، وهُما: أربعةَ أشهر وعشرًا، أو أن تَضع حملها، وهُما الواردان في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤]، وقوله ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ (^٤)، ومأخَذُهُما في ذلك أن آية الطلاق في المُطَلَّقة، بدلالة موضوع السورة وسياق الآيات؛ فموضوع السورة الأبرز الطلاق وأحكامه، كما أن سياق الآيات ظاهرٌ في المُطَلَّقة؛ لأنها عليها عُطِفَ، وإليها رَجعَ عَقِب الكلام (^٥). وفي هذا القول أيضًا إعْمَالٌ للدَّليلين وجمعٌ بينهما، وهو أولى من الترجيح وإهمال أحدِهِما ما دام الجمع مُمْكِنًا؛ (لأن دليل العِدَّتين صادقٌ عليها، إذ هي مُتَوَفَّى عنها، ومن ذوات الأحمال) (^٦)، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (لولا حديث سُبيعَة بهذا البيان من
_________________
(١) هي سُبَيعَة بنت الحارث الأسلمية، وزوجها سعدُ بن خَولَة القرشي العامري. ينظر: الإصابة ٨/ ١٧١، و٣/ ٤٥.
(٢) هو أبو السنابل بن بَعْكَك بن الحارث العبدري القرشي، من مسلمة الفتح. ينظر: الإصابة ٧/ ١٦١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٢١ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٦٥ - ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، برقم: ٤٩٠٩)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٨٦ (كتاب ١٨ - الطلاق، باب ٨ - انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، برقم: ١٤٨٥).
(٤) فيما أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عنه بسند صحيح. ينظر: فتح الباري ٩/ ٣٨٤، والدر ٨/ ١٩٣.
(٥) أحكام القرآن، لابن العربي ٤/ ٢١٤.
(٦) الإشارات الإلهية ١/ ٣٤١، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥.
[ ١٦٠ ]
رسول الله ﷺ في الآيتين لكان القول ما قال عليٌّ وابنُ عباس؛ لأنهما عِدَّتان مُجتمعتان بصفتين، قد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج منها إلا بيقين، واليقين آخرُ الأجلين) (^١)، وقال القرطبي (ت: ٦٧١): (وهذا نظرٌ حسنٌ، لولا ما يُعَكِّر عليه من حديث سُبَيْعةَ الأسلَمِيَّة) (^٢). وفيه كذلك احتياطٌ للأنساب، وحفظٌ لها باحتساب أبعد الأجلين (^٣).
وذهب أبو هريرة ﵁ وأبو سلمة (ت: ٩٤) إلى أن أَجَلَ الحامل المُتَوَفَّى عنها زوجها أن تضع حملها، أخذًا بعموم آية الطلاق (^٤)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عن هذه الآية: (وهذا فيه عمومٌ من ثلاث جهات:
أحدها: عموم المُخبَر عنه، وهو: أولات الأحمال، فإنه يتناول جميعَهن.
الثاني: عموم الأجل، فإنه أضافه إليهن، وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يَعُمّ، فجعل وَضْعَ الحملِ جميعَ أجلهنّ، فلو كان لبعضهن أجلٌ غيره لم يكن جميعَ أجلهن.
الثالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتان، أمَّا المبتدأ فظاهر، وأمَّا الخبر وهو قوله تعالى ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ففي تأويل مصدرٍ مضافٍ، أي: أَجَلُهن وضْعُ حملِهِن. والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، وبهذا احتج جمهور الصحابة أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع حملها ولو وضعته والزوج على المغتسل) (^٥).
_________________
(١) الاستذكار ٦/ ٢١٢، وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ١/ ٢٥٦، وفتح الباري ٩/ ٣٨٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥.
(٣) الإشارات الإلهية ١/ ٣٤١، والعذب النمير ٢/ ٨٧٧، و٣/ ١٠٩٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥، وفتح القدير ١/ ٤٣٠.
(٥) زاد المعاد ٥/ ٥٢٧.
[ ١٦١ ]
وأكَّدَ العموم في الآية جوابُ النبي ﷺ لِسُبَيعة الأسلمية ﵂، كما في الحديث. (^١)