لَمَّا سأل عمرُ ﵁ الصحابةَ عن معنى قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١] سكت بعضهم، وفَسَّر بعضهم الآية بقوله: (أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا)، وهذا المعنى مأخوذ من ظاهر الآية، وهو المتبادر منها، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وقد كان عمر يسألُ ويسألُ عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سألَ أصحابه عن قوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، فذكروا ظاهر لفظها) (^٣)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه ﷺ أن
_________________
(١) القائل هو: عبد الرحمن بن عوف ﵁، كما في رواية الترمذي في الجامع ٥/ ٤٥٠ (٣٣٦٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٠٦ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ١١٠ - قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ٣]، برقم: ٤٩٧٠).
(٣) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤١٧.
[ ١٧٥ ]
يسبِّح بحمد ربِّه ويستغفره إذ نَصَره الله وفتح عليه) (^١).
ثمَّ لَمَّا توجَّه السؤال لابن عباس ﵁ قال بأنَّه: (أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلَمَه له)، وهذا خلوصٌ من الظاهر إلى باطن المعنى؛ وذلك أن الله تعالى عَلَّقَ الاستغفار بنعمةٍ يُحدِثها سبحانه وهي: الفتح على رسوله ﷺ، ودخول الناس في دينه. وهذا ليس بسببٍ للاستغفار، فَعُلِمَ أن سببَ الاستغفار غيرُه، (وهو حضور الأجل؛ الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه؛ ليلقى ربه طاهرًا مُطَهَّرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه) (^٢).
كما أنه قد استقرّ في الشرع وموارد النصوص، تشريعُ الاستغفار والتوبة عند تمام الأعمال ونهايتها (^٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عن قول ابن عباس: (وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها، فإنه لمَّا أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة؛ علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أُخَر، وفوق كل ذي علم عليم) (^٤)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (يدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي ﷺ إذا سَلَّمَ من الصلاة استغفر ثلاثًا، وشرع للمُتَوَضِّئ بعد كمال وضوءه أن يقول: (اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين) (^٥)،
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٢١١، وينظر: المحرر الوجيز ٥/ ٥٣٢.
(٢) إعلام الموقعين ٣/ ١٢٤.
(٣) ينظر: مدارج السالكين ٣/ ٢٦٣، وطريق الهجرتين (ص: ٤٢٩)، وسرُّ الاستغفار (ص: ٢٧)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (٨).
(٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤١٨، وينظر: الموافقات ٤/ ٢١١.
(٥) أخرجه الترمذي ١/ ٧٨ (٥٥)، والطبراني في الأوسط ٥/ ١٤٠ (٤٨٩٥)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١٨٦ (٧٣١)، وكذا ابن أبي شيبة ١/ ١٣ (٢٠)، عن عمر مرفوعًا، وعن علي موقوفًا، وأصله في مسلم ١/ ٤٧١ (٢٣٤)، وذكر الترمذي فيه اضطرابًا، وله شواهد يرتقي بها إلى القبول، ذكرها ابن حجر في تحفة الأبرار (ص: ٤١).
[ ١٧٦ ]
فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة، فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دين الله أفواجًا، فكأنَّ التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشُرِعَ له الاستغفار عقيبها) (^١)، وقال أيضًا: (ويدل عليه أيضًا قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر ٣] وهو ﷺ كان يُسَبِّح بحمده دائمًا، فعُلِمَ أنَّ المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمرٌ أكبَر من ذلك المُتَقَدِّم، وذلك مُقَدِّمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي تُرَقِّيه إلى ذلك المقام بقيَّةٌ، فأُمِرَ بتَوْفِيَتِها) (^٢). وممَّا أكَّدَ المعنى عند ابن عباس ﵁ اجتهادُ رسول الله ﷺ بعد نزول هذه السورة كأشَدِّ ما يكون اجتهادًا في أمرِ الآخرة (^٣)، وكذلك كونها آخر سورة نزلت جميعًا من القرآن (^٤).