كانت عائشة ﵂ تقرأ هذا الحرف (^١): ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون ٦٠] قَصْرًا، وتقول: (كذلك نزلت على النبي ﷺ (^٢)، وقرأ الجمهور ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون ٦٠] بالمَدِّ (^٣). فقراءة عائشة ﵂ من الإتيان والمجيء، وقراءة الجمهور من الإيتاء والإعطاء، وحيث إن معرفة قراءة المفسر لازمة لمعرفة تفسيره؛ - لتوقي نسبة الاختلاف إلى المفسرين
_________________
(١) يُستعمل الحرف لغة ويراد به الكلمة التامَّة، كما هو هنا. ينظر: الانتصار للقرآن ١/ ٣٤٦. والحرفُ عند العرب: الكلمةُ عند النُحاة، نحو: الاسم، والفعل، وحروف المعاني، واسم حروف الهجاء. ومن ثَمَّ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المُراد في الحديث: (ألفٌ حرف، ولامٌ حرف ..): اسم الحرف، لا الحرف الهجائي، فيكون المعنى: (الم) ثلاثة أحرف، و(ذلك) حرف، و(الكتاب) حرف، وهكذا. ينظر: جامع البيان ١/ ٣٩، ومجموع الفتاوى ١٢/ ١٠٣، ٤٤٨.
(٢) تفسير ابن وهب ٣/ ٤٧، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ٢٣٨، ومسند أحمد ٦/ ٩٥، ١٤٤ (٢٤٦٨٥، ٢٥١٥٨)، والتاريخ الكبير ٣/ ٣٦٢، وجامع البيان ١٨/ ٤٤، وقراءات النبي ﷺ، للدوري (ص: ١٣٠)، والمحتسب ٢/ ١٣٨.
(٣) ينظر: جامع البيان ١٨/ ٤٤، والكشف والبيان ٧/ ٥٠.
[ ٧٦ ]
في الموضع الواحد، في حين أن كُلًا منهما فَسَّرَ قراءةً غيرَ الأُخرى (^١) - فإن المعنى على قراءة عائشة ﵂: يعملون ما عَملوا، وعلى قراءة الجمهور: يُعطُون ما أَعطوا. (^٢)
وأجابت عائشة ﵂ عن القراءة الأُخرى بقولها: (كانوا أعلم بالله من أن توجل قلوبهم) (^٣) أي: بسبب الطاعة؛ فإنها مبعث الطمأنينة، والمؤمن لا يَوجَل بطاعته لِرَبه، وإنما يَطمَئِنُّ بها، وبما يَخلُفُه منها، قال الفراء (ت: ٢٠٧): (تعني به الزكاة، تقول: كانوا أتقى لله من أن يُؤتوا زكاتهم وقلوبُهُم وَجِلة) (^٤). وجواب عائشة ﵂ هنا يُبقِي نوعًا واحدًا من نَوْعَي العمل المُحتَمَلين في قراءتها، وهو العمل الفاسد؛ الذي مَثَّلتْ له في حديث الاستدراك: بالسرقة والزنا وشرب الخمر، ومُعتَمَدُها في ذلك امتناع أن تكون الطاعة من المؤمن سببًا لِوَجَل قلبه، وعدم طمأنينته، وإنما الأَولى بذلك أهل المعصية والفجور، في اضطراب قلوبِهم، وخوفهم سوءَ عاقبتهم.
ويجيء البيان النبوي الكريم لِهذه الآية مُبَيّنًا أن المُراد هنا: من يَعمَل العَمَل الصالح- ومنه الصدقة والزكاة- وهو يخاف ألاَّ يُقبَلَ منه. وبهذا المعنى يتّسق ظاهر الآية، وسياق الكلام، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضي أنه يُؤتِي الطاعة؛ لأنه وَصَفَهم بالخشية لربهم، والإيمان بآياته، وتنْزيهه عن الشرك، وخوفهم عدم القبول منهم عند لقائِه لهم، فلا جَرَمَ من كان بهذه الصفة يُسارع في الخيرات، وأمّا من كان على العصيان متماديًا، في الخِلاف مُستَمِّرًا، فكيف يُوصَف بأنَّه يُسارع في الخيرات، أو بالخشية لِرَبه، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه!) (^٥).
_________________
(١) ينظر في التنبيه على ذلك: الإتقان ٢/ ٣٦٥، والدر المنثور ٧/ ٤٧٥، ٨/ ٤٦٣.
(٢) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٤٦٩، والمحتسب ٢/ ١٣٨.
(٣) معاني القرآن، للفراء ٢/ ٢٣٨.
(٤) معاني القرآن ٢/ ٢٣٨.
(٥) أحكام القرآن ٣/ ٢٤٤.
[ ٧٧ ]
ولزيادة إيضاح السياق يُضاف أن الله تعالى قال قبل ذكر صفات المؤمنين ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٤ - ٥٥]، ثم قال بعد ذِكر صفات أهل الإيمان ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون ٦١]، فبعد أن نَفى المسارعة في الخيرات للكافرين، أثبتها للمؤمنين الطائعين، وكذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون ٦٢]، وكثيرًا ما يُذكَرُ نَفيُ التكليف بما فوق الوُسعِ بعد الحديث عن فعل الطاعات. (^١)