نفى رسول الله ﷺ اسمَ المسكين عن الطَّوَّاف الذي يباشر سُؤال الناس، وأثْبَتَه للمُتَعفِّف الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه. والنفي هنا ليس لأصل المسكنة وإنما لكمالها (^٤)، فالأحق باسم المسكين: من لا يجد غِنىً، ويتعفَّف عن
_________________
(١) لعلها عند عكرمة: بالراء المهملة، بدلالة شاهده عليها، وهي قراءة سبعية مشهورة، والتصحيف فيها محتمل. ينظر: جامع البيان ٣/ ٦٢، والإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦١١.
(٢) جزءٌ فيه تفسير يحيى بن يمان وغيره، برواية أبي جعفر الرملي (ص: ١٢٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٣٩٨ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٤٨ - ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣]، برقم: ٤٥٣٩)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٠٦ (كتاب ١٢ - الزكاة، باب ٣٣ - النهي عن المسألة، برقم: ١٠٣٩).
(٤) ذكره ابن بطَّال (ت: ٤٤٩)، والقرطبي (ت: ٦٥٦)، وغيرهما. ينظر: فتح الباري ٣/ ٤٠٢، والمُفهِم ٣/ ٨٤، ٧/ ١٣٢، ومجموع الفتاوى ٢٥/ ١٥٦.
[ ٨٥ ]
المسألة، ولا يُفطَنُ له فيُعطى.
قال النووي (ت: ٦٧٦): (المسكين الكامل المسكنة، الذي هو أحق بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطَّوَّاف، بل الذي لا يجد غِنىً يُغنيه، ولا يُفطَنُ له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة ١٧٧]) (^١)، وقال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وهذا كقوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (^٢)، ومثل هذا كثير) (^٣). فَلَمَّا كان المسكين في الظاهر عند الصحابة، والمُتعارف عندهم هو: السائل الطَّوَّاف (^٤)، بَيَّنَ رسول الله ﷺ معنىً أولى من هذا المعنى المتعارف عليه عندهم، وهو: المتعَفِّف، الذي جمع عِفَّةً وحاجة، ومن كانت هذه حاله فهو أولى باسم المسكين وسهمه من غيره، فإنَّ الأوّلَ يأخذ حاجته بسؤاله، وربما كان فيها كفايته، بخلاف الآخر فإن حاجته دائمة؛ إذ لا يسأل، ولا يُفطَنُ له فيُعطى.