كان اليهود والنصارى يعارضون الإسلام بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم (^٣)، ومنه هذه الشبهة التي ألقوها على المغيرة ﵁، حيث زعموا فيها مُعارضة القرآن للواقع؛ إذ نسبَ مريم بنت عمران أمَّ عيسى ﵉ أُختًا لهارون بن عمران أخي موسى ﵉، وهذا منهم جهلٌ مُفرط، حَمَلَهُم عليه إرادة القدح في القرآن، وإثارة المُتشابه للصَّدِّ عن سبيل الله، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وأَوْرَدَ أهل الكتاب على قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم ٢٨]، إن بين هارون وعيسى ما بينهما، وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه؛ وكانوا يتفنَّنُون فيما يُوردونه على القرآن) (^٤). وأمَّا المغيرة ﵁ فإنه (لمَاَّ اتفق أن مريم هذه بنت عمران، وذانك موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشتراك،
_________________
(١) نَجْران بالفتح ثم السكون، وادٍ في جنوب جزيرة العرب، من مخاليف اليمن من ناحية مكة، سكنه بنو الحارث بن كعب، وأسلموا وقدم وفدهم سنة عشر من الهجرة، وكان غيرهم من أهل نجران على النصرانية، وفيهم كانت المباهلة، ومفتتح آل عمران إلى ثمانين آية منها. ينظر: الكامل في التاريخ ٢/ ١٦٢، ومعجم البلدان ٥/ ٢٦٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٥/ ٢٩٧ (كتاب ٣٨ - الأدب، باب ٢ - الأسماء المكروهة، برقم: ٢١٣٥).
(٣) ينظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٨، والجواب الصحيح ١/ ٢٢٩.
(٤) الصواعق المرسلة ١/ ٢٤٢.
[ ٨٨ ]
والاشتراك غالب على أسماء الأعلام؛ نشأت الشبهة) (^١)، فقال: (فلم أدرِ ما أُجيبهم به) (^٢). فلَمَّا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ، كشف له رسولُ الله ﷺ ما التبس عليه، وأبان عن معنى الآية خير بيان، فذكر أنَّ من نُسِبَت إليه مريم ﵍ ليس بهارون النبي أخي موسى ﵉، وإنما هي عادتهم في التسمية بأسماء أنبيائهم والصالحين منهم. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وهذا من فرط جهلهم، فإنَّ عاقلًا- منهم- لا يخفى عليه أنَّ موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة، وأنَّ مريم أمَّ عيسى ليست أخت موسى وهارون، ولا هو المسيح ابنُ أخت موسى، وليس في من له تمييز- وإن كان من أكذب الناس- من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يَُضحك عليه به كلَُ من سمعه، فكيف بمن هو أعظم الناس عقلًا وعلمًا ومعرفةً غلبت عقول بني آدم ومعارفهم وعلومهم، حتى استجاب له كلُّ ذي عقلٍ مصدقًا لخبره، مطيعًا لأمره، وذلَّ له، أو خاف منه كلُّ من لم يستجب له، وظهر به من العلم والبيان والهدى والإيمان ما قد ملأ الآفاق، وأشرق به الوجود غاية الإشراق، فكان النصارى الذين سمعوا هذا، لو كان لهم تمييز لعلموا أن مثل هذا الرجل العظيم الذي جاء بالقرآن، لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن عمران، ولا يتكلم بمثل ذلك) (^٣).