من خلال المعنى اللغوي لكلمة التفسير، يُتَعرف على المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة، ويُستَحسَن قبل بيانه ذكرُ بعضِ تعريفات هذا المصطلح، فقد تفاوتت أقوال أهل العلم في بيان مفهوم التفسير وحدود معناه في استعمالات المفسرين، ومن تلك التعريفات:
- قول الثعلبي (^٣) (ت: ٤٢٧): (فمعنى التفسير هو: التنوير وكشفُ المنغَلِق من المُراد بلفظه، وإطلاق المحتبس عن فهمه) (^٤)، وقال: (قالت العلماء: التفسير: علمُ نزول الآية، وشأنها، وقصتها، والأسباب التي نزلت فيها) (^٥).
- ونقل ابن الجوزي (^٦) (ت: ٥٩٧) عن جماعةٍ من العلماء قولهم: (التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي) (^٧).
_________________
(١) روح المعاني (ص: ٤).
(٢) مقدمة جامع التفاسير (ص: ٤٧).
(٣) أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو إسحاق الثعلبي، مفسرٌ حافظٌ مُقرئ واعظ، صنف: الكشف والبيان، والعرائس في قصص الأنبياء، توفي سنة (٤٢٧). ينظر: السير ١٧/ ٤٣٥، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٠).
(٤) الكشف والبيان (مخطوط، لوحة: ٩ أ).
(٥) الكشف والبيان (مخطوط، لوحة: ٩ ب).
(٦) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي القرشي التميمي، جمال الدين أبو الفرج البغدادي الحنبلي، عالم مُحَدثٌ مُفَسِّر، صَنَّف: زاد المسير، وفنون الأفنان، توفي سنة (٥٩٧). ينظر: السير ٢١/ ٣٦٥، وشذرات الذهب ٦/ ٥٣٧.
(٧) زاد المسير (ص: ٢٩).
[ ٣٨ ]
- وذكر ابن تيمية (ت: ٧٢٨) أن تفسير الكلام هو: بيانه وشرحه وكشفُ معناه، ثُمَّ قال: (فالتفسير من جنس الكلام، يفسر الكلام بكلام يوضحه) (^١).
- وقال ابنُ جُزيّ (^٢) (ت: ٧٤١): (ومعنى التفسير: شرح القرآن (^٣)، وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصِّه، أو إشارته، أو فحواه) (^٤).
- وقال أبو حيّان (^٥) (ت: ٧٤٥): (التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب، وتَتِمَّاتٌ لذلك.
فقولنا: "علم" هو جنس يشمل سائر العلوم.
وقولنا: "يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن" هذا هو علم القراءات.
وقولنا: "ومدلولاتها" أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم.
_________________
(١) دقائق التفسير ٦/ ٤٣٣.
(٢) محمد بن أحمد بن جُزيّ الكلبي، أبو القاسم الغرناطي، الفقيه المفسر، من فقهاء المالكية، صنف تفسيره: التسهيل لعلوم التنْزيل، توفي سنة (٧٤١). ينظر: الديباج المذهب (ص: ٢٩٥)، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٥٧)،.
(٣) منع بعض العلماء من إطلاق كلمة «شَرْح» على القرآن، قال أبو هلال العسكري (ت: ٤٠٠) في الفرق بين الشرح والتفصيل: (الشرح: بيان المشروح وإخراجه من وجه الإشكال إلى التجلِّي والظهور؛ ولهذا لا يُستَعمل الشرح في القرآن، والتفصيل هو: ذكر ما تتضمَّنه الجملة على سبيل الإفراد؛ ولهذا قال تعالى ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١ - ٥]، ولم يقل: شُرِحَت). الفروق اللغوية (ص: ٧٠).
(٤) التسهيل لعلوم التنْزيل ١/ ١٥.
(٥) محمد بن يوسف بن حيّان، أثير الدين الأندلسي، المفسر النحوي، صنف: البحر المحيط، وتحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، وغيرهما، توفي سنة (٧٤٥). ينظر: بغية الوعاة ١/ ٢٨٠، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٤٩٢).
[ ٣٩ ]
وقولنا: "وأحكامها الإفرادية والتركيبية" هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع.
"ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب" شمل بقوله: التي تُحمل عليها. ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل على الظاهر صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحمل على غير الظاهر وهو المجاز.
وقولنا: "وتَتِمَّاتٌ لذلك" هو معرفة النسخ، وسبب النُّزول، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن، ونحو ذلك) (^١).
- وقال شمس الدين الأصفهاني (^٢) (ت: ٧٤٩): (والتفسير في عرف العلماء هو: كشف معاني القرآن، وبيان المُراد) (^٣).
- وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فالتفسير هو: إبانة المعنى وإيضاحه، قال الله تعالى ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣]) (^٤).
- وقال الزركشي (^٥) (ت: ٧٩٤): (التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المُنَزل
_________________
(١) البحر المحيط ١/ ١٢١، وفيه: (ما لا دلالة عليه بالحقيقة)، وهو تصحيف. ونقل هذا التعريف كاملًا السيوطي في التحبير في علم التفسير (ص: ٣٦)، والإتقان ٢/ ٣٤٧.
(٢) محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني، شمس الدين أبو الثناء الشافعي، مفسر أصولي فقيه، صنف في التفسير: أنوار الحقائق الربانية، توفي سنة (٧٤٩). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٨٣، وبغية الوعاة ٢/ ٢٧٨.
(٣) مقدمات تفسير الأصفهاني (ص: ١٣١). ونقله بنَصِّه الكافيجي (ت: ٨٧٩) في التيسير في قواعد علم التفسير (ص: ١٢٤)، وينظر منه: (ص: ١٥٠).
(٤) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥. وينظر: جلاء الأفهام (ص: ٢٣٠).
(٥) محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، بدر الدين الشافعي، الفقيه الأصولي، له: البرهان في علوم القرآن، وتفسير القرآن العظيم، وتوفي سنة (٧٩٤). ينظر: شذرات الذهب ٨/ ٥٧٢، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٤٠٨).
[ ٤٠ ]
على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه) (^١)، وقال أيضًا مُعَرّفًا التفسير: (وفي الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها، ومُحكَمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. وزاد فيها قومٌ فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعِبَرها وأمثالها، وهذا الذي مُنعَ فيه القول بالرأي) (^٢).
- وقال الجرجاني (^٣) (ت: ٨١٦): (التفسير في الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة) (^٤).
- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي (^٥) (ت: ٨٤٢): (وعلوم القرآن كثيرة، منها: علمُ ألفاظه وما أُريدَ به، وهذا هو الذي يقال له: التفسير) (^٦)، وقال بعد بيان معنى التفسير لغةً: (وأما معناه اصطلاحًا فهو: الكلام على أسباب نُزول القرآن، وبيان أحكامه المجملةَ فيه من السنة) (^٧).
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣.
(٢) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٦٣.
(٣) علي بن محمد بن علي الشريف الجرجاني، أبو الحسن الحنفي، عالم بالعربية والفلسفة، صنف التعريفات، وحاشية على أوّل الكشاف، توفي سنة (٨١٦). ينظر: بغية الوعاة ٢/ ١٩٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٢٩٦).
(٤) التعريفات (ص: ٦٧)، ونقله البركوي (ت: ٩٨١) في تعريفه للتفسير في عُرْفِ المفسرين. ينظر: مقدمة المفسرين (ص: ١٢٥).
(٥) محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين الشهير بابن ناصر الدين، حافظ مؤرخ ثقة عالم، صنف مجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وتوضيح مشتبه الذهبي، مات سنة (٨٤٢). ينظر: الضوء اللامع ٨/ ١٠٢، وشذرات الذهب ٩/ ٣٥٤.
(٦) مجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٤] (ص: ٣٣٧).
(٧) المرجع السابق (ص: ١٢٢).
[ ٤١ ]
- وقال ابن عاشور (^١) (ت: ١٣٩٣): (والتفسير .. هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها باختصار أو توسع) (^٢).
- وقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧): (التفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية) (^٣).
- وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١): (التفسير في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم) (^٤).
من خلال العرض السابق للمعنى اللغوي وما ذكره العلماء في المعنى الاصطلاحي لكلمة "التفسير"، يُستَخلَص معنىً مُختارٌ يكشف عن حَدِّ التفسير ومفهومه، فيُقَال:
التفسير اصطلاحًا هو: بيان المراد من معاني القرآن الكريم.
ووجه اختيار هذا التعريف دون غيره، أمور:
أولها: أن هذا المعنى منطلِقٌ من الأصل اللغوي لكلمة التفسير، وهو البيان والكشف والإيضاح، كما سبق.
ثانيًا: أن هذا المعنى مشْتَرَكٌ في جميع تعريفات أهل العلم الاصطلاحية السابقة، نصًّا أو لُزومًا، فليس هو محل خلاف بينهم. (^٥)
_________________
(١) محمد الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي، يعرف بابن عاشور، رئيس المفتين المالكيين، وشيخ جامع الزيتونة بتونس، صنف تفسيره: التحرير والتنوير، توفي سنة (١٣٩٣). ينظر: الأعلام ٦/ ١٧٤، ومعجم المفسرين ٢/ ٥٤١.
(٢) التحرير والتنوير ١/ ١١.
(٣) مناهل العرفان ٢/ ٤.
(٤) أصولٌ في التفسير (ص: ٣٥)، وينظر: جهود الشيخ ابن عثيمين وآراؤُه في التفسير وعلوم القرآن (ص: ٧٢٢).
(٥) وينظر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي (ص: ٤٨).
[ ٤٢ ]
ثالثًا: أن هذا القدر من التعريف هو الذي دَلَّ عليه الواقع العملي عند المفسرين، وباستعراض كتب التفسير القديمة والحديثة، والموسَّعة والمختصرة، يتبين اشتراكها في هذا القدر من التعريف- الذي هو: "بيان المعنى المراد"، سواء كان ببيان اللفظة، أو الجملة، ثم إنها تتفاوت بعد ذلك في ثلاثِ نواحٍ، أشارت إليها بعض التعريفات السابقة وهي (^١):
١ - احتوائها على موضوعات علوم القرآن المتنوعة، وغيرها من مباحث العلوم المستنبطة من القرآن الكريم، على تفاوت بين هذه التفاسير في العناية بها إكثارًا وإقلالًا، وعلى تفاوت أيضًا في شدة تعلق هذه العلوم بعلم التفسير، واقترانِها به في كلام السلف قلَّةً وكثرَةً.
٢ - ظهور الجانب العلمي الأبرز في المفسر على تفسيره، فيصطبغ تفسيره به، كتمكنه في اللغة، أو الفقه، أو غيرهما من الفنون. (^٢)
٣ - ظهور أثر الواقع على تفسيره، وتفاعل المفسر مع أحداث عصره وعلومه، فيربط بين واقعه وبين مواضع من الآيات يستدِل بها عليه بوجه من الوجوه.
وتتجَلَّى هذه النتيجةُ أكثَر باستعراض كُتُب المُفَسِّر الواحد في التفسير، كتفاسير الواحدي (ت: ٤٦٨): البسيط، والوسيط، والوجيز، فما كتبه المؤلف في الوجيز هو الحَدُّ الأدنى من التفسير، الذي يقتَضيه مَقامُ الاختصار؛ وهو "بيان المعنى المراد" وما لا بُدَّ منه لِبَيانه، كسبب النُّزول ونحوه، ثُمَّ تتكاثر تلك الجوانب الثلاثة في الوسيط، لتكتمل عند المؤلف في البسيط، الذي بسط فيه القول وأشبَعَه، وتَجَلَّت فيه تلك الجوانب بوضوح.
_________________
(١) أشار الطاهر ابن عاشور إلى بعض الموضوعات التي احتوت عليها كتب التفسير بجانب التفسير، في المقدمة الرابعة من مقدمات تفسيره ١/ ٤٢.
(٢) ينظر: العُجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٣، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣، والإتقان ٢/ ٣٧٨.
[ ٤٣ ]
وقد قال الرازي (ت: ٦٠٤) بعد فراغه من إحدى المسائل في تفسيره: (ولنرجع إلى التفسير) (^١).
ويُلاحظ هنا أن هذه الجوانب الثلاثة إنما ذُكرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، لا لأنها هي التفسير بمفردها بلا بيان للمعنى، إذ إنها تابعةٌ للمعنى المُبَيَّن، ومبنيَّةٌ عليه، فإذا توقف البيان والفهم عليها فهي من التفسير، فإن لم يتوقفا عليها فهي زائدة عن حَدِّ التفسير، ذُكِرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، وقد يستفيد التفسير منها (^٢).
_________________
(١) التفسير الكبير ٢٧/ ١٤٤.
(٢) قال ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧) في مقدمة تفسيره ١/ ١٤: (سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرًا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق والشواهد، والحروف والروايات وتنْزيل السور، وأن نقصد لإخراج التفسير مُجَرَّدًا دون غيره، مُتقصّين تفسير الآي حتى لا نترك حرفًا من القرآن يوجد له تفسير إلا أخرج ذلك)، وقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠) في مفتتح سورة الإسراء: (واعلم أنه قد أطال كثيرٌ من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة؛ فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر. والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النُّزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة). فتح القدير ٣/ ٢٨٩. وفي تآلِيف المُتقدمين ما يُشعِرُ بذلك التمييز، فللكرماني محمود بن حمزة (ت: بعد ٥٠٠) كتاب «لباب التفسير»، وله «غرائب التنْزيل وعجائب التأويل»، وللسيوطي (ت: ٩١١) «الدر المنثور» وشَطرُ تفسير «الجلالين»، وله أيضًا «الإكليل في استنباط التنْزيل». وفي الدلالة على ذلك تصريحًا أو تعريضًا ينظر: مقدمة الثعلبي لتفسيره ١/ ٧٥، والصواعق المرسلة ١/ ٣٣١، والموافقات ٢/ ١٠٥، وتفسير سورة العصر، لعبد العزيز قارئ (ص: ٧)، والتفسير اللغوي للقرآن الكريم (ص: ٢١).
[ ٤٤ ]