اشتهر استعمال مصطلح "السَّلَف" في كلام العلماء وإطلاقاتهم على أنه وصفُ مدحٍ وتزكية، قال ابن تيمية (^٦) (ت: ٧٢٨): (ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يُعرَف بالنقل عنهم، فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم، وإن كان إنما يُعرَف بالاستدلال المحض؛ بأن يكون كل من رأى قولًا عنده هو الصواب قال: هذا قول السلف؛ لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب. فهذا هو الذي يُجرِّئ المبتدعة على أن يزعم كلٌّ منهم أنه على مذهب السلف، فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم، بل بدعواه: أن قوله هو الحق) (^٧)، ووجه الخيرية والزَّكاءِ في الانتساب إلى السلف هو أنَّهم خيرُ القرون، كمَا ثبت عن ابن مسعود ﵁، أن
_________________
(١) قتادة بن دعامة السدوسي البصري، الفقيه الحافظ المفسر، ثقة ثبت يُضرب بحفظه المثل، مات بطاعون واسط، سنة (١١٧). ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١١٨، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٣٢).
(٢) معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، الحافظ المفسر، صاحب الجامع المشهور في السير والمغازي، توفي سنة (١٥٣). ينظر: السير ٧/ ٥، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٢٥.
(٣) جامع البيان ٢٥/ ١٠٩.
(٤) زيد بن أسلم العدوي، أبو عبد الله المدني، الإمام المفسر الفقيه، صَنَّف تفسير القرآن، ورواه عنه ابنه عبد الرحمن، مات سنة (١٣٦) وقيل (١٤٦). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٢٦٠، طبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٢٨).
(٥) تفسير السمعاني ٥/ ١١٠.
(٦) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، الحَرَّاني الدمشقي، تقيّ الدين أبو العباس، شيخ الإسلام، أحدُ الأعلام، صنف: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، وغيرهما، مات سنة (٧٢٨). ينظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٠٨، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٧).
(٧) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٠.
[ ٢٧ ]
النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (^١).
وقد تعرَّضَ جماعةٌ من العلماءُ لِمُصطلح السلف، فذكروا تعريفاتٍ متفاوتةً، وحدودًا متغايرةً، تأثَّر بعضها بِاعتقادٍ سابق، ظهر أثره في بيان صاحبه لجوانب من هذا المصطلح. (^٢)
وقد يُراد بلفظ السلف في استعمال بعض العلماء مجرد الدلالة اللغوية المبينة سابقًا (^٣)، كما قد يراد به معنىً اصطلاحيًّا مشتقًّا من المعنى اللغوي، وقد تفاوتت أقوال العلماء في تحديد هذا المصطلح، وتعيين المراد به على عدة أقوال:
الأول: أنهم الصحابة. وهو قول بعض شُرَّاحِ "الرسالة" (^٤)، لابن أبي زيد القيرواني (^٥) (ت: ٣٨٩)، وكان ابن المبارك (^٦) (ت: ١٨١) يقول: (دَعُوا حديث عمرو بن ثابت (^٧)؛ فإنه كان يسُبُّ السلف) (^٨)، أي: الصحابة كما ذكر أبو داود (ت: ٢٧٥) عنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٣٠٦ (٢٦٥٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٦٨ (٢٥٣٣).
(٢) أثَّر الجانب العقدي في بيان مصطلح السلف في جُملةِ صور، تُنظر في: مجموع الفتاوى ٥/ ٨ - ١٢، ١٠٩، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٦، ووجوب لزوم الجماعة وترك التفرق (ص: ٢٧٦).
(٣) مثل كتاب: (صلة الخلف بموصول السلف) لمحمد بن سليمان المغربي الرُّوداني (ت: ١٠٩٤).
(٤) ينظر: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات ١/ ١١.
(٥) عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد المالكي، العالم الفقيه، سُمّيَ بمالك الصغير، كان على طريقة السلف في الأصول، صنف: الرسالة، واختصر المدونة، وتوفي سنة (٣٨٩). ينظر: السير ١٧/ ١٠، وشجرة النور الزكية ١/ ١٤٣.
(٦) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، الحافظ العابد الغازي، أحد الأعلام، صنف الزهد والرقائق وغيرهما، توفي سنة (١٨١). ينظر: السير ٨/ ٣٧٨، والبداية والنهاية ١٠/ ١٤٦.
(٧) عمرو بن ثابت بن هُرمز البكري، أبو ثابت الكوفي، رافضي، ضعيف الحديث، مات سنة (١٧٢). ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٨.
(٨) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٨ (باب: ٥ - الإسناد من الدين).
[ ٢٨ ]
قوله: (لَمَّا مات النبي ﷺ كَفَرَ الناس إلا خمسة)، وقال عنه الإمام أحمد (ت: ٢٤١): (كان يشتم عثمان ﵁. (^١)
الثاني: أنهم الصحابة والتابعون. وإليه ذهب الغزالي (^٢) (ت: ٥٠٥) فقال: (اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني: الصحابة والتابعين) (^٣).
الثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين؛ أهلُ القرون الثلاثة الأولى، ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين. قال السفَّاريني (^٤) (ت: ١١٨٨): (وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار ﷺ، والذين اتبعوهم بإحسان، وأئمة الهدى بعد هؤلاء، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وتقدمهم والاقتداء بهم، واتباعهم والسير بسيرهم، والنهج على منوالهم) (^٥)، وذكر ابن تيمية (ت: ٧٢٨) السلف ثم قال: (من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الصالحة) (^٦)، وقال أيضًا: (ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، ولا عن أحد من سلف الأمة؛ لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف،
_________________
(١) ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٩.
(٢) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، أبو حامد الغزالي الشافعي، إمام فقيه حُجَّة، صنف إحياء علوم الدين، وجواهر القرآن، وإعجاز القرآن، توفي سنة (٥٠٥). ينظر: السير ١٩/ ٣٢٢، وطبقات الشافعية الكبرى ٦/ ١٩١.
(٣) إلجام العوام عن علم الكلام (ص: ٥٣).
(٤) محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، شمس الدين أبو العون الحنبلي، العلامة الفقيه، صنف لوامع الأنوار البهية، وغذاء الألباب شرح منظومة الآداب، وتوفي سنة (١١٨٨). ينظر: السحب الوابلة ٢/ ٨٣٩، وتاريخ الجبرتي ١/ ٤٦٨.
(٥) لوائح الأنوار السَّنِيَّة ١/ ١٢٠، وينظر ما ورد عن الإمام أحمد في طبقات الحنابلة ١/ ٣٤.
(٦) تنبيه الرجل العاقل ٢/ ٥٧٧، وينظر: مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧.
[ ٢٩ ]
حرفٌ واحدٌ يخالفُ ذلك؛ لا نَصًّا ولا ظاهِرًا) (^١)، وقال ابن رجب (^٢) (ت: ٧٩٥): (وفي زماننا يتعينُ كتابةُ كلامِ أئمةِ السلف المقتدى بِهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد) (^٣).
وجرى على هذا المعنى جمهَرَةٌ من الأئمة (^٤)، وكثيرٌ من الباحثين (^٥).
الرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة. وإليه ذهب الباجوري (^٦) (ت: ١٢٧٧) حيث قال: (وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل القرون الثلاثة:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ١٥، وينظر منه: ٥/ ١١، و٤/ ١٥٢، والرد على الأخنائي (ص: ١٨٦)، والصارم المنكي في الرد على السبكي (ص: ٢٦٧) و(٢٦٣، ٢٧٧، ٢٩٥، ٣١٨، ٣٤٣).
(٢) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي، زين الدين أبو الفرج الحنبلي، إمام فقيه حافظ، صنف تقرير القواعد وتحرير الفوائد، وجامع العلوم والحكم، وغيرها، توفي سنة (٧٩٥). ينظر: الرد الوافر (ص: ١٨٨)، والسحب الوابلة ٢/ ٤٧٤.
(٣) «فضل علم السلف على علم الخلف» ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب ٣/ ٢٤، وينظر منه: ٣/ ١٦، ٢٠.
(٤) كالإمام الآجُرِّي في كتابه الشريعة ١/ ١٢٤، ١٨٣، ١٩٥، ١٩٩، ٢١٣، ٢٣٩، ٣٢٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٧، ١٣، ١٥، ١٧٠، ٧/ ١٣٢٧، ١٣٣٦، وابن بَطَّة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ١/ ١٨٦، والذهبي في العلوّ ١/ ١٣، وابن القيم في إعلام الموقعين ٢/ ٩٢، ٢٢١، ٣/ ١٣٧، ٤/ ٤٧٨، ٥/ ١١٨، ٦/ ٨٢، وابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٢، ٢٤٣، ٣٨٨، ٣/ ١٤٢٢، ١٤٣٨، والشاطبي في الموافقات ١/ ٥٥، ١٨٤، ٢/ ٩٤، ١٢٧، ٤٩٨، ٣/ ١٩٠، ٢٦٤، ٤/ ٧٩، والشوكاني في التُّحَف في مذاهب السلف (ص: ٧).
(٥) ينظر: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل (ص: ٥٢)، والعقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة (ص: ٢٠) بواسطة: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص: ٩٩)، وعقيدة الإمام ابن قتيبة (ص: ١٣٠، ١٣٣)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٩، واهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف- ظروفه- وآثاره، ضمن مجلة البحوث الإسلامية (عدد: ١٥، ص: ١٧٣).
(٦) إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، شيخ الأزهر، من فقهاء الشافعية، له حواشٍ كثيرة منها: حاشية على مختصر السنوسي، وحاشية على جوهرة التوحيد، وغيرها، توفي سنة (١٢٧٧). ينظر: الأعلام ١/ ٧١.
[ ٣٠ ]
الصحابة والتابعون وأتباع التابعين) (^١).
وبالتأمل في الأقوال السابقة يُلاحَظ أن لها تعَلُّقًا ظاهرًا بحديث ابن مسعود ﵁ السابق في خيريّة القرون الثلاثة الأولى وتفضيلها على ما بعدها، كما يَبرزُ دخول الصحابة دُخولًا أَوَّلِيًّا في جميع هذه الأقوال. والقول بأن السلف هم:
الصحابة، والتابعون، وتابعوا التابعين، ممن التزم الكتاب والسنة ولم يتلبس ببدعة، ومن تبع نَهجهم بإحسان = هو أصحُّ الأقوال وأعدلها، وهو اختيار المحققين من أهل العلم، كما مَرَّ في القول الثالث، وقد اشتمل على المدلول الخاص للسلف بالحصر التاريخي في القرون الثلاثة الأولى، وكذا المدلول العام الشامل لأتباعهم من بعدهم، ووجه ترجيح هذا القول أمور:
أولًا: استناده على الأثر، الوارد في حديث ابن مسعود ﵁ السابق، فقد اشتمل هذا التعريف على القرون الثلاثة المفضلة بالنص النبوي، في حين أن الأقوال الأخرى زادت أو نقصت عنه بلا وجه.
ثانيًا: وضوح التحديد الزمني فيه ليشمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، كبداية ومنطلق لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد تظهر في الرجوع إلى أقوالهم، والاحتكام إلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. (^٢)
ثالثًا: اشتماله- إضافةً إلى البعد الزمني- على البعد الشرعي المتمثل في تقييد هذا الوصف باتباع الكتاب والسنة، مما وسَّع دائرة هذا التعريف ليشمل ما بعد القرون
_________________
(١) شرح الباجوري على الجوهرة (ص: ٨٢)، بواسطة: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع ١/ ٦٢.
(٢) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٩.
[ ٣١ ]
المفضلة ممن سار على طريقهم، والتزم نَهجهم، وتلقى النصوص بفهمهم. (^١)
رابعًا: ولأن غالب من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث. (^٢)
خامسًا: ولأنه مانعٌ من دخول من لا يتناولهم لفظ الخيرية الوارد في الحديث، من رؤوس المبتدعة الذين ظهروا في تلك العصور المتقدمة، وذلك بالتقييد بالتزام الكتاب والسنة واجتناب البدع.