أولًا: اعتمد بيان رسول الله ﷺ لهذه الآية على السياق، في مقابل أخذِ حفصة ﵂ بالعموم، ودلالة السياق من أقوى الدلالات في تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، ومن ذلك تخصيص العام، كما هو هاهنا، قال ابن دقيقِ العيد (^٤) (ت: ٧٠٢): (يجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام) (^٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١)، والزركشي (ت: ٧٩٤) عن السياق: (وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظرته) (^٦)،
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ١٤٩.
(٢) جامع البيان ١٦/ ١٣٨، وينظر: تفسير ابن وهب ١/ ١٣٩، ومرويات الإمام أحمد في التفسير ٣/ ١٥٥.
(٣) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٣٤٧، وبحر العلوم ٢/ ٣٣٠، وتفسير السمعاني ٣/ ٣٠٧، حيث استدل على أن المراد الدخول بحديث ابن مسعود في المرور على الصراط، ثم جعل المرور على الصراط بعد ذلك قولًا مستقِّلًا. وينظر: الإكليل في استنباط التنْزيل ٣/ ٩٤٤.
(٤) محمد بن علي بن وهب القشيري المصري، أبو الفتح تقي الدين ابن دقيقِ العيد، الشافعي المالكي، الإمام شيخ الإسلام، صنف الإمام، وشَرَحَه، والاقتراح، وغيرها، مات سنة (٧٠٢). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٩/ ٢٠٧، وشذرات الذهب ٨/ ١١.
(٥) البحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٦٧، وينظر: سلاسل الذهب (ص: ٢٧١).
(٦) بدائع الفوائد ٤/ ٩، والبرهان في علوم القرآن ٢/ ٢١٨، ٣/ ٣٠٤،، وكلاهما ناقلٌ عن: الإمام في بيان أدلة الأحكام، للعز بن عبد السلام (ص: ١٥٩)، كما في البحر المحيط للزركشي ٢/ ٣٦٧، ودلالة السياق (ص: ١٤٠). وينظر في أهمية معرفة السياق والترجيح به: الموافقات ٤/ ٢٦٦، والبحر المحيط في الأصول ٢/ ٥١١، وأجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: ٤٦، ٤٩)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر في المسجد الحرام، رسالة رقم (٦٥)، والأدلة الاستئناسية عند الأصوليين (ص: ٢١٥).
[ ٨٣ ]
وقد عَدَّه ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١) من وجوه الترجيح في التفسير (^١)، واقتطاع الكلام من سياقه من أبرز سمات المبتدعة في الاستدلال والمناظرة. (^٢)
ثانيًا: كما اعتمد ابنُ عباس ﵁ في تفسيره الورود بالدخول على مجيء هذه اللفظة بهذا المعنى في غيرما موضع في كتاب الله، ففي مخاصمة نافع بن الأزرق (^٣) (ت: ٦٥) لا بن عباس ﵁، قال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقال ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، أورود هو أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك) (^٤).
وخير ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآن (^٥)، قال مسلم بن يسار (^٦) (ت: ١٠٠): (إذا حَدَّثت عن الله حديثًا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده) (^٧)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥): (إذا
_________________
(١) التسهيل ١/ ٢٠.
(٢) ينظر: نقض الدارمي على المريسي ١/ ٢٨٩، ٣٤٤، والشريعة ١/ ٤٢٩، ٤٣٨.
(٣) الحنفي الحروري، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وله مسائل في القرآن مع ابن عباس ﵁، قُتِلَ سنة (٦٥). ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٨٦)، ولسان الميزان ٦/ ١٤٤.
(٤) تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٣٧، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٣، وتفسير البستي (١/ ٢٠٥)، وجامع البيان ١٦/ ١٣٦.
(٥) أضواء البيان ٤/ ٢٦٦.
(٦) مسلم بن يسار البصري الأموي المكي، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، تابعي عابدٌ ثقة، كان مفتي أهل البصرة قبل الحسن، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: السير ٤/ ٥١٠، وتهذيب التهذيب ٤/ ٧٣.
(٧) فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلاّم (ص: ٢٢٩).
[ ٨٤ ]
اختلف الناس في حرف فانظر نَظْرَةً في القرآن فَقِسْ عليه، ولا تَقِسْ القرآن على الشعر ولا غيره، مثل قوله جل وعلا ﴿إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (^١) [البقرة ٢٥٩]، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس ٢٢]، ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تصديق ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٨]، ومثل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون ١١٦]، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر ٢٢]، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس ٢]، وما أشبهه) (^٢).
* * *