قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ولمَّا علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورْيِ النار؛ تأَوَّلوا الآية على وجوهٍ بعيدة، فقال محمد بن كعب: هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة. وعلى هذا فيكون التقدير: فالجماعات الموريات، وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات، وهي المغيرات، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم: الذين يغيرون، فيورون بالليل نيرانهم لطعامهم وحاجتهم، كأنهم أخذوه من قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة ٧١]، وهذا إن أُريدَ به التمثيل، وأن الآية تدلُّ عليه فصحيح، وإن أُريدَ به اختصاص الموريات فليس كذلك؛ لأن الموريات هي العاديات بعينها؛ ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب، فإنها عَدَتْ فَأَوْرَتْ. وقال قتادة: الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقتتلين. وهذا
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٨٤، وتفسير غريب القرآن (ص: ٤٦٦)، وجامع البيان ٣٠/ ٣٤٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٥٣، وتفسير القرآن العزيز ٥/ ١٥٤، والوسيط ٤/ ٥٤٤، وتفسير السمعاني ٦/ ٢٧٠، وأحكام القرآن، لابن العربي ٤/ ٣٣٣، والتفسير الكبير ٢٣/ ٦١، والبحر المحيط ٨/ ٥٠٠، والتبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٢).
[ ١٧٢ ]
ليس بشيء، وهو بعيد من معنى الآية وسياقها، وأضعف منه قول عكرمة: هي الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما تتكلم به. وأضعف منه ما ذكر عن مجاهد: هي أفكار الرجال، توري نار المكر والخديعة في الحرب.
وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها، وأنها هي المراد فغلط، وإن أريد أنها أُخذَت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب، وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول (^١):
١ - تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحُو إليه المتأخرون.
٢ - وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف.
٣ - وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحُو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ١ - أن لا يناقض معنى الآية، ٢ - وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه، ٣ - وأن يكون في اللفظ إشعار به، ٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم (^٢). فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا) (^٣).
إن استنباط ما هو صالح من المعاني المتّصلة باللفظ مسألة هامَّة، ولها في تفاسير السلف أمثلة كثيرة، وقد بيّن بعض شرائطها ابن القيم (ت: ٧٥١) فيما سَمَّاه: "التفسير
_________________
(١) ذكر قريبًا منها ابن عاشور في حديثه عن طرائق المفسرين، في المقدمة الرابعة لتفسيره. التحرير والتنوير ١/ ٤٢، وينظر: تفسير آيات أشكلت ١/ ١٤٩.
(٢) فلا يُقصَر معنى الآية عليه؛ لأنه تابع ومترتب على المعنى الأصلي للآية. قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عن استنباطٍ لبعض الصوفية اختلت فيه بعض هذه الشروط: (والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز). طريق الهجرتين (ص: ٥٠٧).
(٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٤)، وينظر: مدارج السالكين ٣/ ٢٤٨، والوابل الصيب (ص: ١٧٩).
[ ١٧٣ ]
على الإشارة والقياس"، وإنما تطبيقها، وتحديد مجالها، ومنْزلتها من التفسير، ومتى يُلجَأُ إليها؟ ونحو ذلك، لا يزال بحاجة إلى بحث وجمع وتأمل (^١)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) مشيرًا إلى شيء من ذلك: (أما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دلَّ اللفظ عليه، ويجعلون المعنى المُشار إليه مفهومًا من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حقٌّ إذا كان قياسًا صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا) (^٢)، وقال في حديثه عن إشارات الصوفية في التفسير: (فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام) (^٣)، وقال في طرق دلالة اللفظ على المعنى الصحيح: (القسم الثاني: أن يُجعَل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا، هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك) (^٤).
والاستدراك الآتي عن ابن عباس ﵁ من أشهر أمثلة علم "الاستنباط". (^٥)
* * *
_________________
(١) أشار الشاطبي إلى بعض تلك الضوابط في الموافقات ٤/ ٢٠٨، ٢١٠، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣١، ٢٤٧. وقد يسّر الله تعالى بفضله إتمام كتاب: "علم الاستنباط من القرآن .. المفهوم والمنهج"، وطُبع سنة ١٤٤٠ هـ عن معهد الإمام الشاطبي بجدة، وذلك بعد عشر سنوات من هذه الإشارة إلى الحاجة إليه. وفيه حديثٌ مفصّلٌ عن مفهوم هذا العلم "الاستنباط"، وتاريخه، وشروطه، ومنهج العلماء فيه، وصلتُه بالتفسير، وغير ذلك.
(٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٨.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٧٧.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤١، وينظر: قانون التأويل (ص: ١٩١، ١٩٦، ٢٠٧).
(٥) ينظر: الموافقات ٤/ ٢١٠.
[ ١٧٤ ]