أولًا: أن تفسير كلام الله تعالى وفهمه يكون بحسب المشهور المتبادر من لسان العرب الذي نزل به القرآن، وهذا ما فعله الصحابة ﵃ في فهمهم لكلمة "الظلم"، ولم ينهَهم رسول الله ﷺ عن أن يفسروا القرآن بلغتهم، ولو كان هذا المسلك خَطًا لنبههم عليه، كما لم يتغير هذا الفهم من الصحابة إلا بالنقل الشرعي لكلمة "الظلم" بحسب التفسير النبوي.
ثانيًا: التفسير اللغوي لا يقدم على التفسير النبوي الصريح بحال، وهذا واضح من قبول الصحابة ﵃ لهذا التفسير من النبي ﷺ بلا جدال.
ثالثًا: كما أن تفسير القرآن بالرأي المعتمد على استعمالات الكلمة في القرآن، أولى من تفسيره بحسب اللفظ مجردًا، وهذا واضح من تفسير النبي ﷺ لكلمة "الظلم" بحسب ورودها في موضع آخر من القرآن الكريم، وهو ما يُعرف ب: تفسير القرآن بالقرآن. قال الباقولي (^٣) (ت: ٥٤٣): (وأبدًا ينبغي لك أن تُفَسر القرآن بعضَه ببعضٍ ما أمكنك، ويجبَ أخذُ التفسير من آيةٍ نظيرةِ تلك الآية التي
_________________
(١) محمد بن محمد سعيد بن قاسم، جمال الدين القاسمي، من سلالة الحسين السبط ﵁، إمام الشام في عصره، أَلَّفَ: محاسن التأويل، في التفسير، وغيره، وتوفي سنة (١٣٣٢). ينظر: الأعلام ٢/ ١٣٥، والموسوعة الميسرة ٣/ ٢٤٤٣.
(٢) محاسن التأويل ٣/ ٣٥٩.
(٣) علي بن الحسين بن علي الأصبهاني الباقولي، أبو الحسن، الملقب بجامع العلوم، نحويٌ مُفسر، صنف: البيان في شواهد القرآن، وكشف المشكلات، توفي سنة (٥٤٣). ينظر: معجم الأدباء ٤/ ١٧٣٦، وبغية الوعاة ٢/ ١٦٠.
[ ٥٥ ]
تُفَسِّرها) (^١)، وقال العز بن عبد السلام (^٢) (ت: ٦٦٠): (تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كلِّ تقدير) (^٣)، أي: تقدير المحذوف في موضع من القرآن، يكون بما ظهر في القرآن في موضع آخر. وقال الزركشي (ت: ٧٩٤): (فحَمَل النبي ﷺ الظلم هاهنا على الشرك ..، واستأنس عليه بقول لقمان) (^٤).
رابعًا: في قوله ﷺ لأصحابه: (ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]) ثم تفسيره للكلمة بقوله: (إنما هو الشرك)، تنبيه للصحابة على هذه الطريقة في التفسير، وقد كان بالإمكان حصول البيان منه ﷺ بقوله: (إنما هو الشرك)، ولكنّه ﷺ شَرَعَ لمن بعده مسلكًا مهمًا في تبيين المُشكلات، وإيضاح المُبهمات، بل هو أولى طرق بيان القرآن الكريم، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصحَّ الطرق في ذلك أن يُفَسّرَ القرآن بالقرآن؛ فما أُجمِلَ في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختُصِرَ في مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر) (^٥)، ونقل الشنقيطيُّ (ت: ١٣٩٣) إجماعَ العلماء على أن بيان القرآن بالقرآن أشرف أنواع التفسير وأَجَلُّها؛ (إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلّ وعلا من الله جلّ وعلا) (^٦)، وقال القاسمي (ت: ١٣٣٢): (وتَعَرُّفُ تلك القاعدة- أي: التفسير بالنظائر القرآنية- من مثل هذا الحديث يكشف غُمَّةَ أوهام كثيرة) (^٧).
_________________
(١) كشف المشكلات وإيضاح المُعضلات ٢/ ٩١٨ باختصار وتصرف يسير.
(٢) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلَمي، عز الدين الدمشقي ثم المصري الشافعي، العلامة الفقيه، سلطان العلماء، صَنف مجاز القرآن، واختصر تفسير الماوردي، وتوفي سنة (٦٦٠). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٢٠٩، وشذرات الذهب ٧/ ٥٢٢.
(٣) مجاز القرآن (ص: ١١٠). وينظر: تهذيب اللغة ٤/ ٧٠.
(٤) البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٠١.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٣، وينظر: روح المعاني ١٢/ ١١٣.
(٦) أضواء البيان ١/ ٧، ١٥.
(٧) محاسن التأويل ٣/ ٣٥٩، وينظر: التكميل في أصول التأويل (ص: ٢٤٢، ٢٦٣، ٢٦٨).
[ ٥٦ ]
خامسًا: أن الصحابة ﵃ كانوا يتأولون القرآن على لغتهم، فإذا أشكل عليهم منه شيء سألوا رسول الله ﷺ فبيّنه لهم، وهذا يحدد نوع ما فسّرَه رسولُ الله ﷺ من القرآن للصحابة ﵃، وهو ما أشكل عليهم، واحتاجوا فيه إلى بيانٍ من النبي ﷺ وهو قليل (^١). وسيتبيّن ذلك بوضوح في غيرما استدراك نبوي فيما يأتي- إن شاء الله تعالى-، وأما ما فسّرَه ﷺ مباشرة بلا سؤال أو استشكال فهو أقلّ ممّا سُئِلَ عنه.
* * *