عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (^١): (أنَّ عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون (^٢) على البحرين- وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر-، فقدم الجارود (^٣) سيد عبد القيس على عمر ﵁ من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًا من حدود الله حقًا عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ قال: لم أرَه شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ في الشهادة. قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أَخَصمٌ أنتَ، أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: فقد أَدَّيت شهادتك. قال: فصَمَتَ الجارود، ثم غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدَّ الله. فقال عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد. فقال الجارود: إني أنشدك الله. فقال عمر: لتُمسكنَّ لسانك، أو لأسوءَنك. فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن يشرب ابنُ
_________________
(١) عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزي، حليف بني عَديّ، أبو محمد المدني، تابعيٌّ ثقةٌ من كبار التابعين، وُلدَ على عهد النبي ﷺ، ولأبيه صحبة، مات سنة بضع وثمانين. ينظر: الكاشف ٢/ ٩٩، والتقريب (ص: ٥١٧).
(٢) قُدَامة بن مظعون بن وهب بن حُذَافة بن جُمَح، أبو عمرو القرشي أخو عثمان بن مظعون، من السابقين الأوَّلين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كُلَّها مع النبي ﷺ، توفي سنة (٣٦). ينظر: السير ١/ ١٦١، والإصابة ٥/ ٣٢٢.
(٣) الجارود بن المعلى وقيل ابن عمرو العبدي، أبو المنذر، سيد عبد القيس، أسلم سنة عشر، وفرح النبي ﷺ بإسلامه، صاهر أبا هريرة، وكان معه في البحرين، توفي سنة (٢١). ينظر: الإصابة ١/ ٥٥٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٨٧.
[ ١٢٨ ]
عمِّك وتسوءُني! فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة. فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادُّك. فقال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ .. الآية إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ٩٣]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حرم الله عليك. قال: ثم أقبل عمر على الناس، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا. فسكت عن ذلك أيامًا، وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحبَّ إليَّ من أن يلقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوطٍ تامٍّ. فأَمَرَ بقدامة فَجُلِد، فغاضب عمرَ قدامةُ وهجره، فحجَّ وقدامة معه مغاضبًا له، فلما قفلا من حجِّهما، ونزل عمر بالسُّقْيا نام ثم استيقظ من نومه، قال: عجِّلوا عليّ بقدامة فائتوني به، فوالله إني لأرى آتٍ أتاني فقال: سالِمْ قدامةَ؛ فإنَّه أخوك، فعجِّلوا عليَّ به. فلما أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرُّوه إليه، فكلَّمَه عمرُ، واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما) (^١).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٩/ ٢٤٠ (١٧٠٧٦)، من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، ومن طريقه البيهقي في السنن ٨/ ٣١٥ (١٧٢٩٣). وأخرجه البخاري في صحيحه مُختَصَرًا ٧/ ٣٧١ (كتاب ٦٤ - المغازي، باب ١٢، برقم: ٤٠١١)، من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به. قال ابن حجر: (ولم يذكر البخاري القصة؛ لكونها موقوفةً ليست على شرطه؛ لأن غرضه ذكر من شهد بدرًا فقط). الفتح ٧/ ٣٧٠، وينظر: الإفصاح، لابن هبيرة ١/ ١٨٠. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٢ (٦٧٧٧)، وأخرجه البرقاني في مُستَخرجه على الصحيح، كما ذكر ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ١٢٧، والحُميدي في الجمع بين الصحيحين، كما في الإفصاح، لابن هبيرة ١/ ١٨١، وأبو عليّ بن السَّكَن، كما ذكره ابن حجر في الإصابة ٥/ ٣٢٤. وأخرجه مالك في الموطَّأ ٢/ ٨٤٢ (١٥٣٣)، ومن طريقه الشافعي في مسنده ١/ ٢٨٦، عن ثور بن زيد، عن عمر بن الخطاب، وهو مُعضَل، ووصله النسائي في الكبرى ٣/ ٢٥٣ (٥٢٨٩)، والدارقطني في سننه ٣/ ١٦٦ (٢٤٥)، والحاكم في مستدركه ٤/ ٤١٧ (٨١٣٢)، والطبراني في الأوسط ٩/ ١٣٨ (٩٣٤٩)، والبيهقي في السنن ٨/ ٣٢٠ (١٧٣٢١ - ١٧٣٢٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ١٤٧ لأبي الشيخ، وابن مردويه، من طريق يحيى بن فليح، عن ثور بن زيد الدَّيْلي، عن عكرمة، عن ابن عباس. والخبر صحيح بطُرُقه، وينظر في بيانها: فتح الباري ١٢/ ٧١، وتلخيص الحبير ٤/ ٧٥، والإصابة ٥/ ٣٢٤، والمغني ١٢/ ٤٩٩ ط/ التركي. وإسناده صحيح، ورِجال عبد الرزاق رِجال الصحيحين، وصححه الحاكم، وابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ١٢٨.
[ ١٢٩ ]