الاستدراك لغةً:
الاستدراك: اسْتِفْعَالٌ مِنْ (دَرَكَ) يفيد معنى الطلب واللحاق (^١)، قال ابن فارس (^٢): "الدال وَالراء وَالكاف أصلٌ واحدٌ، وهو لُحوقُ الشيءِ بالشيءِ ووصولُه إليه"اهـ (^٣)، يقال:
_________________
(١) ينظر: الأصول في النحو، لابن السراج (٣: ١٢٧)، الخصائص، لابن جني (٢: ١٥٥)، المفصل، للزمخشري (١: ٣٧٤)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: دَرَكَ (١٠: ٤١٩)، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٤: ٢٦٤)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي (١: ٤١).
(٢) أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، من كبار أئمة اللغة، من أبرز مصنفاته: الصاحبي في فقه اللغة، ومقاييس اللغة، كان على مذهب أهل السنة والجماعة، توفي بالري سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: نزهة الألباء، للأنباري (ص: ٢٣٥)، معجم الأدباء، لياقوت الحموي (١: ٤١٠)، إنباه الرواة، للقفطي (١: ١٢٧).
(٣) مقاييس اللغة، مادة: دَرَكَ، (٢: ٢٦٩).
[ ١٤ ]
" أدركتُ الرجلَ إدراكًا: إذا لحقته" (^١)، وتَدَاركَ القومُ: لَحِق آخرُهم أولَهم (^٢)، و(استدركَ) ما فات و(تدارَكَه) بمعنىً (^٣).
قال الزمخشري (^٤): "وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه، واستدرك عليه قوله"اهـ (^٥)، وقال الزبيدي (^٦): "استدركَ عليه قولَه: أصلح خطأه، ومنه المستدرك على الصحيحين"اهـ (^٧)، وفي المعجم الوسيط: استدرك عليه القول: أصلح خطأه أو أكمل نَقصه أو أزال عنهُ لبسًا (^٨).
فيظهر مما ذُكر أن الاستدراك في اللغة له استعمالان:
الأول: أن يستدرك الشَّيءَ بالشَّيءِ، إذا حاولَ اللَّحَاقَ به.
_________________
(١) جمهرة اللغة، لابن دريد، مادة: دَرَكَ، (٢: ٦٣٦).
(٢) ينظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة (دَرَكَ)، (١٠: ٤١٩)، القاموس المحيط، للفيروزأبادي، مادة (دَرَك)، (١: ٩٣٨).
(٣) ينظر: الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهري، مادة: دَرَكَ، (٤: ١٥٨٢).
(٤) محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم، جار الله، إمام في اللغة والنحو والأدب، كان معتزليًا، وله في التفسير: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، توفي بخوارزم سنة ٥٣٨ هـ. ينظر: نزهة الألباء، للأنباري (ص: ٢٩٠)، معجم الأدباء، لياقوت الحموي (١٩: ١٢٦)، إنباه الرواة، للقفطي (٣: ٢٦٥)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ١٢٠).
(٥) أساس البلاغة، مادة: دَرَكَ، (١: ٢٨٥).
(٦) محمد بن محمد الحسيني الزَّبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى، علامة باللغة والأنساب، من أبرز كتبه: تاج العروس في شرح القاموس، وإتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين، توفي بالطاعون في مصر سنة ١٢٠٥ هـ. ينظر: الأعلام للزركلي (٧: ٧٠)، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، لعبدالرزاق الميداني (١: ١٤٩٢)، طبقات النسابين، لبكر أبو زيد (١: ١٨١).
(٧) تاج العروس، مادة: دَرَكَ (٢٧: ١٤٤).
(٨) ينظر: المعجم الوسيط، إعداد: مجمع اللغة العربية، (استدرك)، (١: ٢٨١).
[ ١٥ ]
والثاني: في مثلِ قولهم: استدركَ الرأي والأمر، إذا تلافى مَا فَرَّطَ فيه مِنَ الخطأِ أو النقص (^١).
الاستدراك اصطلاحًا:
الاستدراك في اصطلاح النحويين: رفع توهُّمٍ نشأ من كلام سابق (^٢).
وفي اصطلاح الفقهاء (^٣): إصلاحُ ما حصل في القول أو العمل من خللٍ أو قُصورٍ أو فَوات (^٤).
والمراد بالاستدراك في هذا البحث: التصويب والإكمال والتوضيح، وذلك من خلال إتباعُ القول الأول بقول ثانٍ؛ يصلحُ خطأه، أو يكمل نقصه، أو يزيلُ عنه لَبْسًا (^٥).
وهذا المعنى هو الذي أراده العلماء الذين صنفوا في مجال الاستدراكات في شتى العلوم.
_________________
(١) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٣: ٢٦٩).
(٢) ينظر: الجنى الداني في حروف المعاني، لبدر الدين المرادي (ص: ٦١٥)، التعريفات، للجرجاني (١: ٢١)، التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي (١: ٤٨)، الكليات، للكفوي (١: ١١٥).
(٣) وذلك عن طريق التتبع والاستقراء؛ فالفقهاء قد استخدموا هذا المصطلح في ثنايا كتبهم، ومن الاستدراك عندهم: استدراك نقص لصلاة بسجود السهو، واستدراك الصَّلاةِ إذا بطلت بإعادتها، واستدراك الصلاة المنسية بقضائها. وللاطلاع على بعض المواضع التي استخدموا فيها هذا المصطلح؛ ينظر: البرهان في أصول الفقه، لأبي المعالي الجويني (١: ٨٩)، الفروق، للكرابيسي (١: ٩٥)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي (٢: ٤٣١).
(٤) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٣: ٢٦٩).
(٥) ينظر: استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى، لنايف الزهراني (ص: ١٦).
[ ١٦ ]
ومن أمثلة ذلك:
في التفسير: جزء فيه استدراك أم المؤمنين عائشة - ﵂- على الصحابة (^١)، لأبي منصور الشِّيْحِي البغدادي (^٢)، والاستدراك هنا بمعنى التصويب.
وقد قام بدر الدين الزركشيّ (^٣) بنقل هذه الاستدراكات، وزاد عليها ورتبها في مصنف مستقل، سمّاه: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة (^٤).
في الحديث: المستدرك على الصحيحين (^٥)، للحاكم (^٦)، والاستدراك هنا بمعنى الإضافة والإكمال.
_________________
(١) ينظر: الأنساب، للسمعاني (٣: ٤٨٧)، فهرسة ابن خير الإشبيلي (١: ١٤٦).
(٢) عبد المحسن بن محمد الشِّيحي البغدادي، أبو منصور، المحدث الفقيه، المعروف بابن شُهْدَانْكَه، كتب وحصل الأصول، وكتب بخطه أكثر مسموعاته، توفي سنة ٤٨٩ هـ. ينظر: الأنساب، للسمعاني (٣: ٤٨٧)، العبر في خبر من غبر، للذهبي (٣: ٣٢٦)، سير أعلام النبلاء للذهبي أيضًا (١٩: ١٥٢)، الوافي بالوفيات، للصفدي (١٩: ٩٦).
(٣) محمد بن بَهَادِر الزَّرْكَشِيّ، بدر الدين، أبو عبد الله، الفقيه الشافعي، من علماء الحديث والتفسير، وقد برز في علم أصول الفقه، من مصنفاته: (البحر المحيط) في أصول الفقه و(البرهان في علوم القرآن)، توفي سنة ٧٩٤ هـ. ينظر: طبقات الشافعية، لابن قاضى شهبة (٣: ١٦٧)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر (٥: ١٣٣)، طبقات المفسرين، للأدنه وي (ص: ٣٠٢).
(٤) ينظر: الجواهر والدرر، للسخاوي (ص: ٣٩٢)، كشف الظنون، لحاجي خليفة (٢: ١٣٨٤).
(٥) ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة (٢: ١٦٧٢).
(٦) محمد بن عبد الله الضّبّي الطّهماني النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم، الحافظ الكبير، قال عنه الذهبي: شيخ المحدثين، صاحب التصانيف. من أشهر مصنفاته: (المستدرك على الصحيحين)، توفي سنة ٤٠٥ هـ. ينظر: طبقات الفقهاء الشافعية، لابن الصلاح (١: ١٩٨)، طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (٤: ١٥٥)، الوافي بالوفيات، للصفدي (٣: ٢٥٩)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧: ١٦٣)، شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي (٣: ١٧٦).
[ ١٧ ]
في الفقه: المستدرك في فروع الشافعية (^١) لإسماعيل بن محمد البُوشَنْجِي الشافعي (^٢)، والاستدراك هنا بمعنى التنقيح والإضافة.
في اللغة: الاستدراك على الخليل في المهمل والمستعمل (^٣) لأبي تراب اللغوي (^٤)، والاستدراك هنا بمعنى التصويب والإضافة والتهذيب.