دافع السمين الحلبي عن قراءة أبي عمرو ورد على ابن عطية قائلًا: "وقوله "وذلك لا تقتضيه الأصولُ" غيرُ مقبولٍ منه؛ فإنَّه إذا صَحَّ النقلُ لا يُعارَضُ بالقياس" اهـ (^٢).
فالسمين الحلبي قد التزم المنهج الأثري في دفاعه عن القراءات الصحيحة ورده على مَن انتقدها، فمتى صحّت القراءة فلا التفات إلى مَن ينتقدها لكونها تخالف قياسه النحوي.
وما ذكره السمين قاعدة في القراءات الصحيحة؛ فإذا ثبتت القراءة وصحّ نقلها وجبَ إتباعها؛ لأنها سنة متبعة لابد من التزامها والمصير إليها ولو خالفت الأقيسة اللغوية والقواعد النحوية.
قال أبو حيان في دفاعه عن هذه القراءة: "ولم تقتصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصريين، ولا على ما اختاروه، بل إذا صحَّ النقلُ وجبَ المصيرُ إليه". اهـ (^٣)
_________________
(١) ينظر: كتاب سيبويه (٤: ٤٣٧)، المقتضب، للمبرد (١: ٢٠٦)، المحتسب، لابن جني (١: ٩٨)، الصحاح، للجوهري (٥: ١٩٣٨)، شرح الأشمونى لألفية ابن مالك (٤: ١٥٥).
(٢) الدر المصون (٢: ٢٧٨).
(٣) تفسير أبي حيان (٢: ١٩٥).
[ ٥٩ ]
والَّذين رووا الإدغام عن أبي عمرو أئمة ثقاة ومنهم علماء بالنحو، فوجبَ قبُوله وإن لم يجزه البصريون غير أبي عمرو، فأبو عمرو رأس في البصريين (^١).
قال ابن الحاجب (^٢) بعد نقله التعارض بين قولي القراء والنحويين: "والأولى الرد على النحويين في منع الجواز فليس قولهم بحجة إلا عند الإجماع، ومِن القراء جماعة من أكابر النحويين؛ فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القراء لهم، ثم ولو قدر أن القراء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون للنحويين في نقل اللغة فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى؛ لأنهم ناقلوها عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله؛ ولأن القراءة ثبتت متواترة وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سلم أنه ليس بمتواتر فالقراء أعدل وأكثر فكان الرجوع إليهم أولى". اهـ (^٣)
_________________
(١) ينظر: همع الهوامع، للسيوطي (٣: ٤٨٥).
(٢) عثمان بن عمر بن أبي بكر الكُرْدِيُّ، أبو عمرو، جمال الدين، المعروف بابن الحاجب، الإمامُ، العَلاَّمَةُ، المُقْرِئُ، الأصوليّ، الفقيه المالكيّ، النَّحْوِيّ، صاحبُ التصانيف المنقحة، من أشهر مصنفاته: (الكافية) في النحو، و(الشافية) في الصرف، و(الإيضاح شرح المفصل)، كان عالمًا متبحرًا مع دين وورع وتواضع، توفي بالإسكندرية سنة ٦٤٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٣: ٢٦٤)، الوافي بالوفيات، للصفدي (١٩: ٣٢١)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، للفيروزأبادي (ص: ١٩٧).
(٣) الإيضاح في شرح المفصل (٢: ٤٧٩).
[ ٦٠ ]
وقال الدمياطي (^١): "لا فرق بين الساكن للوقف والساكن للإدغام، ودعواهم عدم جواز الإدغام المذكور وصلًا ممنوعة، وعدم وجدان الشيء لا يدل على عدم وجوده في نفس الأمر، فقد سمع التقاؤهما من أفصح العرب بل أفصح الخلق على الإطلاق - ﷺ- فيما يروى: (نِعمَّا (^٢) بالمال الصالح للرجل الصالح) (^٣)، وتواتر ذلك عن القراء، وشاع وذاع ولم ينكر وهو إثبات مفيد للعلم، وما ذكروه نفي مستنده الظن، فالإثبات العلمي أولى من النفي الظني، ولئن سلمنا أن ذلك غير متواتر فأقل الأمر أن يثبت لغة بدلالة نقل العدول له عمن هو أفصح ممن استدلوا بكلامهم، فبقي الترجيح في ذلك بالإثبات وهو مقدم على النفي". اهـ (^٤)
فالصحيح في هذه المسألة: أن القرآن حجة على اللغة، لا اللغة حجة على القرآن، وما دامت القراءة بالجمع بين ساكنين لم يكن أولهما حرف لين قد وردت من طريقها المقطوع بصحته، فإنها هي التي يجب أن يصار إليها وأن تقعَّد عليها القواعدُ (^٥)، وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية ودفاعه عن قراءة أبي عمرو في محله.
* * *
_________________
(١) أحمد بن محمد بن أحمد الدمْياطيّ، شهاب الدين، الشهير بالبنَّاء، ومن كبار علماء القراءات في عصره، أخذ عن علماء القاهرة والحجاز واليمن، توفي بالمدينة النبوية سنة ١١٧١ هـ ودفن في البقيع. ينظر: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للجبرتي (١: ١٦٠)، الأعلام، للزركلي (١: ٢٤٠).
(٢) قال الجوهري في الصحاح، مادة: نعم (٥: ٢٠٤٢): "وإن أدخلْت على نِعْمَ (ما) قلت: (نِعمَّا) تجمع بين الساكنين، وإن شئت حركت العين بالكسر، وإن شئت فتحت النون مع كسر العين" اهـ. وقال ابنُ الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٥: ٨٣): "أصله: نِعْم ما، فأُدغِم وشُدِّد. وما: غير موصوفة ولا موصولة، كأنه قال: نِعْمَ شَيئًا المالُ".
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح (١٣: ٥٠٤) من حديث عمرو العاص، مع قصة في أوله، ح (١٧٧٢٩)، ثم قال الإمام أحمد: " قال أبو عبيد بكسر النون والعين (نِعِمّا) "، ورواه في موضع آخر بلفظ: "نِعْمَ المال الصالح للمرء الصالح"، ح (١٧٦٩٢)، (ج ١٣: ص ٤٨٧).
(٤) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، لشهاب الدين الدمياطي المعروف بالبنَّاء (ص: ٣٩).
(٥) ينظر: رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم، لعبد الفتاح شلبي (ص: ٤٥).
[ ٦١ ]