الحمد لله الذي أنعم علينا بالقرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جعله - تعالى- عبرة لمن اعتبر، وكفاية لمن تفكر في آياته وتدبر، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والصلاة والسلام على نبينا المختار، وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان والمقتدين بهم في كل زمان.
أما بعد:
فإن علوم الدين الإسلامي هي أشرف العلوم وأنفعها، وقد تعددت هذه العلوم وتنوعت، وعلم التفسير هو أعلاها قدرًا وأسماها منزلة؛ لتعلقه بكلام الله - تعالى-، ونظرًا لأهمية علم التفسير ومنزلته صنف كثير من العلماء في هذا العلم، وتنوعت طرائقهم في التصنيف، وتعددت اهتماماتهم، وكان من هؤلاء العلماء: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي، فقد صنف كتابه (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)، وركز فيه على الناحية اللغوية والإعرابية للقرآن الكريم، فهو من أبرز مراجع التفسير اللغوي وإعراب القرآن، كما اعتنى بتوجيه القراءات القرآنية صحيحها وشاذها.
وقد تعددت مصادره التفسيرية واللغوية في هذا الكتاب، لكنه لا يكتفي بالنقل عمن سبقه بل يناقش الأقوال ويرجح ويدلل، كل ذلك في أسلوب علمي مميز قائم على منهج منضبط.
[ ٣ ]
وكان من أبرز مصادره: تفسير ابن عطية، وهو يحتل الدرجة الثالثة بعد كتابي أبي حيان والزمخشري في المصادر التي نقل عنها (^١).
ولم يكتفِ بالنقل عنه بل استدرك عليه وناقشه كثيرًا، وقد أفصح عن ذلك في مقدمة كتابه حيث قال: "وذكرت كثيرًا من المناقشات الواردة على أبي القاسم الزمخشري وأبي محمد بن عطية" اهـ (^٢)، وكانت أغلب تلك المناقشات في مجال الإعراب والقراءات، ونظرًا لكثرتها وقيمتها العلمية اخترتها لتكون موضوع بحثي لرسالة الماجستير في القرآن وعلومه.
وقد تتبعتُ المواضع التي نقل فيها السمين عن ابن عطية ثم أتبع قول ابن عطية بقول له يبين فيه خطأه ويرد عليه، أو يُكمل نقصًا في قوله أو يزيل عنه لبسًا، أو يذكر معنى أولى من قول ابن عطية لوجهٍ من وجوه الترجيح، وجمعت تلك الاستدراكات وقسّمتها حسب موضوعها، ورتبتها حسب ترتيب السور والآيات في المصحف، ثمّ درست تلك الاستدراكات.