موضوع هذا الاستدراك هو توجيه قراءة أبيّ بن كعب بالرفع: (ورُسُلٌ قد قصصناهم عليك)، وقد نقل بعض العلماء هذه القراءة دون توجيه، ومنهم مَن وجهها إعرابيًا، ولهم في توجيهها أربعة أقوال:
١ - أنّ قوله: (رُسلٌ) مبتدأ مرفوع بعائد الذكر، وما بعده خبره، وعائد الذكر هو قوله: (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ).
قاله: الفراء (^٣)، والطبري (^٤)، وأبو حيان (^٥)، والسمين الحلبي (^٦).
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢: ١٣٧).
(٢) الدر المصون (٤: ١٥٩ - ١٦٠).
(٣) ينظر: معاني القرآن (١: ٢٩٥).
(٤) ينظر: تفسير الطبري (٩: ٤٠٣).
(٥) ينظر: تفسير أبي حيان (٤: ١٣٨).
(٦) ينظر: الدر المصون (٤: ١٥٩ - ١٦٠).
[ ٩٩ ]
فذلك عندهم مِن باب رفع الاسم المشغول عنه، والاسم المشغول عنه يجوز فيه الرفع والنصب، وهناك حالات يترجح فيها أحد الوجهين على الآخر. (^١)
قال الفراء: "ولو كان رفعًا كان صوابًا بما عاد من ذكرهم، وفي قراءة أُبي بالرفع: (وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهم عليك من قَبْل ورسلٌ لَمْ نقصصهم عليك) ". اهـ (^٢)
وقال أبو حيان في توجيهه لقراءة الجمهور: "وانتصاب ﴿وَرُسُلًا﴾ على إضمار فعل، أي: قد قصصنا رسلًا عليك، فهو من باب الاشتغال، والجملة مِن قوله: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ مُفسِّرةٌ لذلك الفعل المحذوف، ويدل على هذا قراءة أبيّ: (ورسلٌ) بالرفع في الموضعين على الابتداء". اهـ (^٣)
٢ - أنّ (رسلٌ) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم رسلٌ، وجملة: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ في موضع رفع صفة.
_________________
(١) الاشتغال هو أن يتقدم اسم واحد ويتأخر عنه عامل مشتغل عن العمل في ذلك الاسم بالعمل في ضميره مباشرة، أو في سببه. والأصل أن الاسم المشغول عنه يجوز فيه وجهان: أحدهما راجح؛ لسلامته من التقدير، وهو الرفع بالابتداء، فما بعده في موضع رفع على الخبرية، وجملة الكلام حينئذ اسمية، والثاني مرجوح؛ لاحتياجه إلى التقدير، وهو النصب، فإنه بفعل موافق للفعل المذكور، فما بعده لا محل له؛ لأنه مفسر، وجملة الكلام حينئذ فعلية. ثم قد يعرض لهذا الاسم ما يوجب نصبه، وما يرجحه، وما يستوي فيه الرفع والنصب. ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام (٢: ١٣٩ - ١٤١)
(٢) معاني القرآن (١: ٢٩٥).
(٣) تفسير أبي حيان (٤: ١٣٨).
[ ١٠٠ ]
قاله: ابن عطية (^١)، وعلَّق عليه السمين قائلًا: "وهذا غير واضح". اهـ (^٢)
٣ - أنّ (رسلٌ) مبتدأ وخبره محذوف، أي: وثمّ رُسلٌ، وجملة: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ صفة لرُسل.
قاله: أبو البقاء (^٣).
٤ - أنّ (رُسلٌ) مبتدأ لخبر محذوف، والتقدير: ومنهم رُسلٌ.
قاله: القرطبي (^٤) (^٥).
وجميع هذه التوجيهات مُحتمَلة ومُوافِقة لمعنى الآية باستثناء قول ابن عطية؛ فهو بعيد من ناحية المعنى، فإن تقدير الكلام بناء على قول ابن عطية: وهم رُسلٌ قد قصصناهم عليك مِن قبل وهم رُسلٌ لم نقصصهم عليك، وهذا التقدير غير ظاهر.
والقول الأول - وهو اختيار السمين- أرجح هذه التوجيهات؛ لأنه الأقرب للقول الراجح في توجيه القراءة المتواترة ﴿وَرُسُلًا﴾، وهو أنّ قوله: ﴿وَرُسُلًا﴾ مفعول به لفعل
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ١٣٧).
(٢) الدر المصون (٤: ١٦٠).
(٣) ينظر: إعراب القراءات الشواذ (١: ٤٢٠).
(٤) محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخَزْرَجي القُرْطُبي، أبو عبد الله، الإمام، المفسّر، الفقيه المالكي، من تصانيفه: (الجامع لأحكام القرآن) و(التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)، توفي سنة ٦٧١ هـ. ينظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون (ص: ٣١٧)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ٩٢).
(٥) ينظر: تفسير القرطبي (٦: ١٨).
[ ١٠١ ]
محذوف يفسره الفعل المذكور بعده، أي: قصصنا رسلًا عليك، فهو من باب الاشتغال، وجملة ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ مفَسِّرة (^١).
والاسم المشغول عنه يجوز فيه الرفع والنصب، ولكن يترجح النصب هنا؛ لأن العطف كان على جملة فعلية (^٢): ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] (^٣)، ويبقى الرفع على الابتداء جائزًا على الأصل.
فقراءة الجمهور بالنصب: ﴿وَرُسُلًا﴾، وهو الراجح هنا؛ لعطفه على جملة فعلية: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
وقراءة أبيّ بالرفع، وهو جائز على الأصل، إلاّ أنّ النصب هو الراجح هنا.
* * *
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٢: ١٣٣)، تفسير الفخر الرازي (١١: ٢٦٧)، التبيان في إعراب القرآن، لأبي البقاء (١: ٤٠٩)، الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتجب الهمذاني (٢: ٣٨١)، تفسير أبي حيان (٤: ١٣٨)، المجتبى، لأحمد الخراط (١: ٢١١)، معرض الإبريز، لعبد الكريم الأسعد (١: ٤٥١)، الياقوت والمرجان في إعراب القرآن، لمحمد بارتجي (ص: ١١٢).
(٢) ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام (٢: ١٤٧، ١٤٩).
(٣) ينظر: الدر المصون (٤: ١٥٩).
[ ١٠٢ ]