اتفق القراءُ على رفع قوله: ﴿قِصَاصٌ﴾، ولكن توجيه هذا الرفع يختلف باختلافهم في قراءة ما قبلها، وموضوع هذا الاستدراك هو توجيه قراءة نافع وحمزة وعاصم بنصب (الجروحَ) وما قبلها من المعطوفات، وإعراب ﴿قِصَاصٌ﴾ بناء على ذلك.
وقد قال ابن عطية بأنّ ﴿قِصَاصٌ﴾ في هذه القراءة خبر (أنّ)، أي أنه خبر عن جميع المنصوبات قبله (^١).
وممن قال بذلك أيضًا: مكّيّ بن أبي طالب في (الكشف) (^٢)، والفخر الرازي (^٣).
قال الفخر الرازي: "وقرأ نافعٌ وعاصم وحمزة كلّها بالنصب عطفًا لبعض ذلك على بعض، وخبرُ الجميعِ: قصاص". اهـ (^٤)
وقد علّق السمين على هذا القول بكلام وجيه فقال: "وهذا وإن كان يَصْدُقُ أنَّ أخْذَ النفسِ بالنفسِ والعينَ بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح". اهـ (^٥)
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ١٩٦).
(٢) ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها (١: ٤٠٩).
(٣) مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ الحُسَيْنِ الرازيُّ القُرَشِيُّ، من ذرية أبي بكر الصديق، فخر الدين، أبو عبدالله، العلاّمة الكبير، ذو الفنون، الأصوليّ، المفسّر، الفقيه الشافعي، من تصانيفه: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، و(المحصول) في أصول الفقه، توفي سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة (ص: ٤٦٢)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢١: ٥٠٠)، طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (٨: ٨١)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ١١٥).
(٤) تفسير الفخر الرازي (١٢: ٣٦٨).
(٥) الدر المصون (٤: ٢٧٨).
[ ١٠٥ ]
وذهب السمين الحلبي إلى أن ﴿قِصَاصٌ﴾ هنا خبر (الجروحَ)، أي: وأنّ الجروحَ قصاصٌ.
وممن قال بذلك: مكيّ بن أبي طالب في (المُشْكِل) (^١)، وأبو حيان (^٢)، وغيرهما (^٣).
قال مكي: "مَن نصب (الجُروحَ) عطفه على ﴿النَّفْسَ﴾، و﴿قِصَاصٌ﴾ خَبره". اهـ (^٤)
وهذا التوجيه هو الأرجح، فالقول بأنّ ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر عن جميع المنصوبات - وهو قول ابن عطية- يقتضي أن أخذ العين بالعين وكل ما ذُكر قصاص، وهذا وإنّ سُميَ قصاصًا فإن القصاص هنا صار بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح، وعليه: فقوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر (الجُروحَ). (^٥)
ويؤيد هذا التوجيه أيضًا قراءة أبيّ بن كعب: (وأنِ الجروحُ قصاصٌ) (^٦)، ويؤيده أيضًا قراءة مَن رفع (الجروح) استئنافًا ونصب ما قبل ذلك، فهم استأنفوا فقالوا: (والجروحُ قصاصٌ)؛ لأن خبر الجروح لم يشبه أخبار ما تقدمه، فعدل به إلى الاستئناف (^٧).
_________________
(١) ينظر: مشكل إعراب القرآن (١: ٢٢٧).
(٢) ينظر: تفسير أبي حيان (٤: ٢٧١).
(٣) ينظر: تفسير الثعلبي (٤: ٧١)، البيان في إعراب غريب القرآن، للأنباري (١: ٢٥٠)، التفسير المنير، للزحيلي (٦: ٢٠٣).
(٤) مشكل إعراب القرآن (١: ٢٢٧).
(٥) ينظر: الدر المصون (٤: ٢٧٨).
(٦) بزيادة (أن) المخففة من الثقيلة. ينظر: تفسير أبي حيان (٤: ٢٧٢).
(٧) ينظر: حجة القراءات، لابن زنجلة (ص: ٢٢٧)، الإتحاف، للدمياطي (ص: ٢٥٣).
[ ١٠٦ ]
قال ابنُ خالويه: "ومما يدل على انقطاع ذلك من الأول أنه لم يقل فيه: والجروح بالجروح قصاص". اهـ (^١)
حتى إن بعض المفسرين والفقهاء ذكروا فائدة في قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهي أن ذلك يدل على القصاص فيما يمكن القصاص فيه من الجروح وتُعرف فيه المساواة، أماّ ما لا يمكن القصاص فيه فلا قصاص؛ لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته (^٢).
وقد نصّوا أيضًا على أنّ قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ جملة مستقلة فيها تعميم بعد التخصيص (^٣)، فقوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر خاص بالجروح وليس خبرًا عن جميع المنصوبات قبله.
وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية.
* * *
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع (ص: ١٣١).
(٢) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص (٤: ٩٥)، تفسير البغوي (٢: ٥٦)، تفسير الزمخشري (١: ٦٣٨).
(٣) ينظر: تفسير البغوي (٢: ٥٦)، تفسير الخازن (٢: ٤٩).
[ ١٠٧ ]