أولًا: أقوال العلماء في توجيه القراءة برفع النون (بينُكم).
للعلماء في هذه المسألة أربعة أقوال:
الأول: أن الَبْينَ في (بينُكم) ظرف استُعمل اسمًا، فلماّ استُعمل اسمًا جاز أن يُسند إليه الفعل (تقطّع)، ولا يجوز أن يكون (بينكم) مصدر؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد؛ لأن المراد: لقد تقطع وصلكم، وجاز أن يكون البين بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق؛ لأنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينه شِرْكَة، وبيني وبينه صداقة؛ صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة على خلاف الفرقة؛ فلهذا جاء ﴿لقد تقطع بَيْنُكم﴾ بمعنى: لقد تقطع وصلكم.
قاله: الفارسي (^١)، ومكي بن أبي طالب (^٢)، ورجحه: ابن عطية (^٣)، والفخر الرازي (^٤)، والسمين الحلبي (^٥).
قال السمين: "والقول بكونه مجازًا أولى من القول بكونه مشتركًا، لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز خير منه عند الجمهور". اهـ (^٦)
_________________
(١) ينظر: الحجة للقراء السبعة (٣: ٣٥٨، ٣٥٩).
(٢) ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها (١: ٤٤٠).
(٣) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ٣٢٤).
(٤) ينظر: التفسير الكبير (١٣: ٧٠).
(٥) ينظر: الدر المصون (٥: ٥٥).
(٦) المصدر السابق، الموضع نفسه.
[ ١٢٣ ]
الثاني: أن يكون (البَيْنُ) على أصله في الفرقة مِن بانَ يَبِينُ إذا بَعُدَ، ويكون في قوله: (تَقَطَّعَ) تَجَوُّزٌ على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة: تقطعت الفِجَاجُ بين كذا وكذا: عبارة عن بُعد ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها، فعبر عن ذلك بالبَيْن الذي هو الفُرقَة.
هذا الوجه ذكره ابنُ عطية وجهًا محتَملًا (^١).
الثالث: أن هذا كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لقد تفرق جمعكم وتشتَّت.
ذكره السمين الحلبي، وتعقبه بأنه لا يصلح أن يكون تفسير إعراب (^٢).
الرابع: أن البَيْن هنا: الوصل، أي: لقد تقطع وصلكم، فالبَيْنُ مِن الأضداد؛ يطلق في اللغة على الوصل، وعلى الافتراق.
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ٣٢٤).
(٢) ينظر: الدر المصون (٥: ٥٥).
[ ١٢٤ ]
وهو قول الجمهور (^١)، وقد ضعفه ابن عطية قائلًا: "وفي هذا عندي اعتراض؛ لأن ذلك لم يرو مسموعًا عن العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في (العين): و(البَيْن) الوصل؛ لقوله﷿-: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ" اهـ (^٢)، فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ذلك". اهـ (^٣)
ورد عليه السمين فقال: "وهذا منه غير مرضٍ، لأنَّ أبا عمروٍ وأبا عبيد وابن جني والزهراوي والمهدوي والزجاج أئمة يُقبل قولُهم، وقوله: " وإنما انتُزِع من هذه الآية" ممنوعٌ، بل ذلك مفهوم من لغة العرب، ولو لم يكن ممَّن نقلها إلا أبو عمرو لكفى به". اهـ (^٤)
وقد نُقل عن أبي عمرو - وقد قرأ بالرفع- أن البَيْن هنا هو الوصل، والمعنى: تقطع وصلكم (^٥).
_________________
(١) ينظر: العين، للخليل بن أحمد، مادة: بين (٨: ٣٨٠)، تفسير الطبري (١١: ٥٤٨)، معاني القرآن، للزجاج (٢: ٢٧٣)، ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن، لغلام ثعلب (١: ٢٢٢)، معجم ديوان الأدب، للفارابي (٣: ٣٠٦)، أمالي القالي (٢: ١٣٢)، معاني القراءات، للأزهري (١: ٣٧٢)، تفسير السمرقندي (١: ٤٦٩)، الصحاح، للجوهري، مادة: بين (٥: ٢٠٨٢)، تفسير ابن أبي زمنين (٢: ٨٥)، تفسير الثعلبي (٤: ١٧١)، المحكم، لابن سيده، مادة: بين (١٠: ٥٠٣)، تفسير السمعاني (٢: ١٢٨)، غرائب التفسير، للكرماني (١: ٣٧٣)، تفسير البغوي (٢: ١٤٥)، كشف المشكلات، للباقولي (ص: ٢٥٦)، البيان في إعراب غريب القرآن، للأنباري (١: ٢٨٠)، التبيان في إعراب القرآن، لأبي البقاء (١: ٥٢٢)، الفريد، للمنتجب الهمذاني (٢: ٦٤٦)، تفسير البيضاوي (٢: ١٧٣)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: بين (١٣: ٦٢)، تفسير ابن جزي (١: ٢٦٩)، تفسير ابن كثير (٣: ٣٠٣)، القاموس المحيط، للفيروزأبادي، مادة: بين (١: ١١٨٢)، معرض الإبريز، لعبد الكريم الأسعد (١: ٦٣٣).
(٢) العين، مادة: بين (٨: ٣٨٠).
(٣) المحرر الوجيز (٢: ٣٢٤).
(٤) الدر المصون (٥: ٥٣).
(٥) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس (٢: ٢٢)، معاني القراءات، للأزهري (١: ٣٧١)، إبراز المعاني من حرز الأماني، لأبي شامة (ص: ٤٥٢).
[ ١٢٥ ]
وقال بعضهم: هو مثل قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] أي: الوصلات والتواصل الذي كان بينهم في الدنيا (^١).
ثانيًا: المناقشة والترجيح:
أمَّا القول الأول فمؤداه نفس مؤدى قول الجمهور، إلا أن في تفصيله القول بالمجاز، ولا حاجة للقول بذلك؛ لأن البين استُعمل بمعنى الوصل عند العرب.
وأمّا القول الثاني فذكره ابن عطية، ولم يرجحه أحدٌ من العلماء.
وأمّا القول الثالث فهو تفسير معنى لا تفسير لفظ وإعراب، والجمع بين اللفظ والمعنى في التفسير والتوجيه هو الأولى.
وأمّا القول الرابع فهو الراجح؛ لما يلي:
١ - أن هذا القول موافق لتفسير السلف من الصحابة والتابعين؛ إذ فسروا قوله (بينُكم): وصلكم (^٢).
_________________
(١) وهو قول مجاهد وقتادة، أخرج ذلك: عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (١: ٣٠٠)، والطبري في تفسيره (٣: ٢٨٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١: ٢٧٨). ويُنظر: معاني القرآن، للزجاج (١: ٢٣٩)، التفسير الوسيط، للواحدي (١: ٢٥١)، تفسير السمعاني (١: ١٦٥)، تفسير البغوي (٢: ١٤٥).
(٢) فسرها بذلك: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. ينظر: تفسير الطبري (١١: ٥٤٨)، تفسير ابن أبي حاتم (٤: ١٣٥٠)، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، للأزهري (ص: ١٩٦).
[ ١٢٦ ]
٢ - أن العرب قد استعملت البين بمعنى الوصل، ومن الشواهد على ذلك: قول الشاعر (^١):
لعَمْرُكَ لولا البَيْنُ لانقطعَ الهوى ولولا الهوى ما حنّ للبين آلِفُ (^٢)
فالبينُ هنا الوصل (^٣).
وجمع أحدهم بين المعنيين قائلًا (^٤):
وكُنَّا على بَيْنٍ يؤلِّف شملَنا فأعْقبَه البيْنُ الذي شتَّتَ الشملا
فيا عجبًا ضدان واللفظ واحد فللهِ لفظ ما أمرَّ وما أحْلى!
والقرآن إنما نزل بلغة العرب، وجاءت الألفاظ فيه وفق استخدام العرب لها.
١ - أن القول بأن البيْن مِن الأضداد؛ يطلق على الوصل والافتراق، هو قول جمهور أهل اللغة (^٥)، ومنهم أئمة كبار، ولم يذكروا أنهم انتزعوا ذلك من الآية، بل أثبتوا أنه يطلق على المعنيين عند العرب، وذكروا بعض الشواهد الشعرية على ذلك.
_________________
(١) البيت لقيس بن ذُريح (قيس لبنى) وهو في ديوانه (ص: ٩٨)، وهو أيضًا في تفسير الثعلبي (٤: ١٧١)، وفي لسان العرب، لابن منظور، مادة: بين (١٣: ٦٢)، وفي تاج العروس، للزبيدي، مادة: بين (٣٤: ٢٩٣).
(٢) يقال: ألِفَ الشيءَ إلفًا فهو آلِف؛ إذا لزمه وأنس به. ينظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة: ألف (١: ١٣١)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: ألف (٩: ٩).
(٣) ينظر: تاج العروس، للزبيدي، مادة: بين (٣٤: ٢٩٣)
(٤) نسبه أبو جعفر الرعيني لشيخه ابن جابر الأندلسي. ينظر: اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر، لأبي جعفر الرعيني (ص: ٩٠)، تاج العروس، للزبيدي، مادة: بين (٣٤: ٢٩٣).
(٥) ينظر: العين، للخليل بن أحمد، مادة: بين (٨: ٣٨٠)، معجم ديوان الأدب، لأبي إبراهيم الفارابي (٣: ٣٠٦)، أمالي القالي (٢: ١٣٢)، الصحاح، للجوهري، مادة: بين (٥: ٢٠٨٢)، المحكم، لابن سيده، مادة: بين (١٠: ٥٠٣)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: بين (١٣: ٦٢)، القاموس المحيط، للفيروزأبادي، مادة: بين (١: ١١٨٢).
[ ١٢٧ ]
وعليه: فاستدراك السمين وارد على ابن عطية؛ لأن القول الذي ضعفه هو أقوى الأقوال وأرجحها، وما ذَكرَ فيه مِن الاعتراض لا يسلم له.
إلا أن جميع تلك الأقوال والتوجيهات تؤدي إلى معنى واحد: وهو وقوع الافتراق بينهم وبين آلهتهم وشركائهم المزعومين يوم القيامة، فيتبرأ بعضهم من بعض، ولا ينفع بعضهم بعضًا.
* * *
[ ١٢٨ ]