أولًا: قراءة حُمَيد بن قيس:
قرأ حميد بن قيس (يَغشَى) بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين، مِن (غَشِيَ) (^٢)، واختلف النقل عنه في (الليل) و(النهار) كما يلي:
١ - ذكر ابنُ جنّي أن قراءة حميد (يَغشى الليلَ النهارُ) بنصب اللام، ورفع الراء على الفاعلية (^٣).
قال الزمخشري عن قراءة حُمَيد: "يَغشى الليلَ النهارُ: بفتح الياء، ونصب الليل، ورفع النهار". اهـ (^٤)
وكذا قال الفخر الرازي في تفسيره (^٥).
_________________
(١) الدر المصون (٥: ٣٤١).
(٢) ينظر: تفسير ابن عطية (٢: ٤٠٩)، تفسير أبي حيان (٥: ٦٦)، فتح القدير، للشوكاني (٢: ٢٤١).
(٣) ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (١: ٢٥٣).
(٤) تفسير الزمخشري (٢: ١٠٩).
(٥) ينظر: مفاتيح الغيب (١٤: ٢٧١).
[ ١٤٣ ]
٢ - ذكر أبو عمرو الداني أن حُميدًا قرأ (يَغشَى الليلُ النهارَ) بضم الليل على أنه الفاعل، والنهارَ: بالنصب على المفعولية (^١).
قال أبو البقاء: "ويُقرأ (يَغْشى) بفتح الياء والتخفيف، والليلُ فاعله". اهـ (^٢)
ورجّح روايةَ الداني: أبو حيان (^٣)، والسمين الحلبي (^٤).
وبهذا الوجه نقل الشوكاني قراءة حميد دون أن يصرح بأنها رواية الداني؛ قال: "وقرأ حُمَيْدُ بن قيس: يَغْشَى الليلُ النَّهارَ؛ على إسناد الفعلِ إلى اللَّيل". اهـ (^٥)
ثانيًا: الترجيح بين رواية ابن جني ورواية الداني:
رجّح ابنُ عطية روايةَ ابن جني بحجة أنه أثبت من أبي عمرو الداني (^٦)، وانتقده أبو حيان في ذلك، ودافع عن أبي عمرو الداني وروايته من عدة وجوه، حيث قال: "وهذا الذي قاله من أنّ أبا الفتح أثبت كلام لا يصح؛ إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها، وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلًا عن النحاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القرآن عن أحد، ولا روي عنهم القرآن، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النّقل وعدم التجاسر، ووفور الخط من العربية، فقد رأيت له كتابًا في
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن عطية (٢: ٤٠٩)، تفسير أبي حيان (٥: ٦٦).
(٢) التبيان في إعراب القرآن (١: ٥٧٤).
(٣) ينظر: تفسير أبي حيان (٥: ٦٦).
(٤) ينظر: الدر المصون (٥: ٣٤١).
(٥) فتح القدير (٢: ٢٤١).
(٦) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ٤٠٩).
[ ١٤٤ ]
(كلاّ)، وكتابًا في إدغام أبي عمرو الكبير، دلاّ على إطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه -﵀-". اهـ (^١)
وانتقد ابنَ عطية أيضًا السمينُ الحلبي، ورجَّح رواية أبي عمرو الداني.
قال السمين: "قال ابن عطية: "ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ" وفيه نظرٌ؛ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة، وإن كان دونه في العلم بطبقات". اهـ (^٢)
فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن رواية الداني هي الأرجح لما يلي:
١ - أن الداني أعلم وأعنى بالقراءات مِن ابن جني، والعلماء في شتى العلوم يعتبرون التخصص في الترجيح بين الروايات والأقوال (^٣)، هذا بالإضافة إلى علو مرتبته في العربية كما قال أبو حيان.
٢ - أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل (الليل) فاعلًا لفظًا ومعنى، و(النهار) مفعولًا لفظًا ومعنى، وفي قراءة الجماعة: (الليل) فاعل معنى، و(النهار) مفعول لفظًا ومعنى (^٤).
قال ابن عاشور: "الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكونَ الأولُ هو الفاعل في المعنى، ويجوز العكس إذا أمِنَ اللَّبْس". اهـ (^٥)
_________________
(١) تفسير أبي حيان (٥: ٦٦).
(٢) الدر المصون (٥: ٣٤١).
(٣) ينظر: تحقيق نور الدين عتر لشرح علل الترمذي، لابن رجب (٢: ٥٥٤).
(٤) ينظر: تفسير أبي حيان (٥: ٦٦)، الدر المصون (٥: ٣٤١).
(٥) التحرير والتنوير (٨: ١٦٧).
[ ١٤٥ ]
وفي هذه الآية الكريمة وجبَ تقديم الفاعل معنى لئلا يُلْبِسَ نحو: «أعطيت زيدًا عمرًا» لأن كلًا من (الليل) و(النهار) يصلح أن يكون غاشيًا مغشِّيًا فوجَبَ جَعْلُ (الليل) في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي، و(النهار) هو المفعول مِن غير عكس، ورواية الداني موافقةٌ لهذه لأنها المصرِّحةُ بفاعلية الليل، ورواية ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى (^١).
* * *
_________________
(١) ينظر: تفسير أبي حيان (٥: ٦٦)، الدر المصون (٥: ٣٤١).
[ ١٤٦ ]