أولًا: أقوال العلماء في المراد بالرباط في الآية:
١ - أن الرباط: الخمس من الخيل فما فوقها، واحدها: رَبِيط، كَفِصَالٍ وفَصِيل، وجماعته: رُبُط، وهي التي ترتبط، وهذا قول أبي زيد، وقد ذكره جمهور المفسرين وأهل اللغة (^١).
٢ - أنها اسم للخيل التي ترتبط في سبيل الله.
قاله: الزمخشري (^٢)، والفخر الرازي (^٣)، وغيرهما (^٤)، وهو قريب من معنى القول الأول.
٣ - أن الرباط مصدر ربَطَ أو رابَط.
قاله ابنُ عطية (^٥)، وجعله بعضُ العلماء وجهًا محتملًا (^٦).
_________________
(١) ينظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة: ربط (٢: ٤٧٨)، المحكم، لابن سيده، مادة: ربط (٩: ١٦٢)، تفسير القرطبي (٨: ٣٦)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: ربط (٧: ٣٠٢)، تفسير أبي حيان (٥: ٣٤٣)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (٨: ٣١٤)، فتح القدير، للشوكاني (٢: ٣٦٦)
(٢) ينظر: تفسير الزمخشري (٢: ٢٣٢).
(٣) ينظر: مفاتيح الغيب (١٥: ٤٩٩).
(٤) ينظر: تفسير البيضاوي (٣: ٦٥)، تفسير أبي السعود (٤: ٣٢).
(٥) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ٥٤٦)، وتعليق ابن عطية على القراءة بضم الراء والباء -أنها جمع لمصدر- يدل على أنه رجح أن الرباط هنا مصدر.
(٦) ينظر: تفسير البيضاوي (٣: ٦٥)، السراج المنير، للخطيب الشربيني (١: ٥٧٩)، تفسير أبي السعود (٤: ٣٢).
[ ١٤٩ ]
٤ - أن الرباط جمع رَبْط، كَكَعْب وكِعَاب.
ذكره ابن عطية وبه بدأ (^١)، وجوّزه السمين الحلبي (^٢).
ثانيًا: القول الراجح:
القول الأول هو الأقرب للصواب؛ لما يلي:
١ - أنه الأقرب لسياق الآية؛ فإن في الخيل الكثيرة المرتبطة إرهابًا للعدو.
٢ - قال مجاهد وعكرمة (^٣) في معنى رباط الخيل: "هي الإناث" (^٤)، وفُسِّرَ بالإناث لأنها أولى ما يُرْبَطُ لتناسلها ونمائها بأولادها، فارتباطها أولى مِن ارتباط الفحول (^٥).
_________________
(١) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ٥٤٦)، وتعليق ابن عطية على القراءة بضم الراء والباء -أنها جمع لمصدر- يدل على أنه لم يرجح هذا القول الذي بدأ به.
(٢) ينظر: الدر المصون (٥: ٦٢٧).
(٣) عِكْرِمَة بن عبد الله البَرْبَري المدنيّ، مولى ابن عباس، أبو عبدالله، العلاّمة، الحافظ، المفسّر، روى عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم، وروى عنه زهاء ثلاثمائة رجل منهم أكثر من سبعين تابعيًا، روى له الجماعة، توفي سنة ١٠٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٥: ١٢)، غاية النهاية في طبقات القراء (١: ٥١٥)، طبقات المفسرين، للداودي (١: ٣٨٠).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٥: ١٧٢٢)، شعب الإيمان، للبيهقي (٦: ١٥٤)، الدر المنثور، للسيوطي (٤: ٨٣).
(٥) ينظر: تفسير الفخر الرازي (١٥: ٤٩٩).
[ ١٥٠ ]
وهذا يرجح القول بأن الرباطَ خيلٌ مرتبطةٌ وهو معنى القولين: الأول والثاني.
قال الفخر الرازي: "ولقائلٍ أن يقول: بل حَمْلُ هذا اللفظ على الفحول أولى؛ لأن المقصود مِن رباط الخيل المحاربة عليها، ولا شكَّ أَنَّ الفحولَ أقوى على الكَرِّ والفَرِّ والعَدْوِ، فكانت المحاربة عليها أسهل، فوجبَ تخصيص هذا اللفظ بها، ولَمَّا وقع التعارض بين هذين الوجهين وجبَ حَمْلُ اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلًا مربوطًا، سَواءٌ كان من الفحول أو من الإناث". اهـ (^١)
٣ - أن قول أبي زيد فيه تفسير لكلا القراءتين: المتواترة ﴿رِبَاط﴾، والشاذة (رُبط)؛ حيث بيّن المراد بالرباط والرُبط.
٤ - أن العرب تسمي الخيلَ إذا رُبطت رُبْطًا واحدها: رَبِيطٌ (^٢)، وتجمع الرُّبْط: رِباطًا، وهو جمع الجمع (^٣).
وهذا يضعف القول بأن (رِبَاط) في الآية مصدر، و(رُبُط) جمع المصدر (رِبَاط)، بل (رُبط) هي الخيل إذا رُبطَت، وجمعها: رِبَاط.
_________________
(١) المصدر السابق، الموضع نفسه.
(٢) قالوا: والعرب تقول: نِعْمَ الرَبيطُ هذا، لما يُرْتَبطُ من الخيل. ينظر: الصحاح، للجوهري، مادة: ربط (٣: ١١٢٧).
(٣) ينظر: غريب الحديث، للخطابي (١: ٢٨٥)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: ربط (٧: ٣٠٣).
[ ١٥١ ]
وبناءً على ما ذُكر فإن القراءة بضم الراء والباء (رُبُط) صحيحة من الناحية اللغوية.
أما مِن حيث المعنى فإنه لا تعارض بين الأقوال الثلاثة الأولى عند التحقيق؛ فالقول الثاني قريب من معنى القول الأول إلا أن الثاني عمّم الخيل المرتبطة، والأول خصّها بالخمس فما فوقها.
والقول بأن الرباط هي الخيل المرتبطة يتضمن معنى المصدر -القول الثالث-؛ فالخيل المرتبطة متحقق فيها معنى المرابطة.
أما القول الرابع فليس له ما يعضده؛ حيث لم يرد في اللغة أن رباطًا جمع رَبْط.
* * *
[ ١٥٢ ]