ذَكَرَ أغلبُ المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآية المرادَ بالجوديّ (^٦) دون تفصيل للفظ الكلمة، وما إذا كان (الْجُودِيِّ) في الأصل نسبة إلى الجود والياء ياء النسب أم غير ذلك (^٧).
_________________
(١) قرأ الجماعة: ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ بياء مشددة، وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة والمطوعي: (الجوديْ) بسكون الياء. ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لابن جنّي (١: ٣٢٣)، زاد المسير، لابن الجوزي (٢: ٣٧٦)، تفسير أبي حيان (٦: ١٦١)، الإتحاف، للدمياطي (ص: ٣٢١).
(٢) سُلَيمانُ بنُ مِهْرَانَ الأَسَدِيُّ الكَاهِلِيُّ مولاهم، أبو محمد، المعروف بالأَعْمَش، التابعي، الإمام، الحافظ، شيخ المقرئين والمحدثين، كان رأسًا في العلم النافع والعمل الصالح، ومن أعلم الناس بالفرائض، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: تاريخ بغداد، للبغدادي (١٠: ٥)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (٦: ٢٢٦)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (١: ٣١٥).
(٣) إبراهيم بنُ أبي عَبْلَةَ العُقَيْلِيُّ الشَّامِيُّ المَقْدِسِيُّ، أبو إسحاق، التابعيّ، الإمامُ، القدوة، قال ابن الجزري: "له حروف في القراءات واختيار خالف فيه العامة في صحة إسنادها إليه نظر" اهـ، توفي سنة ١٥١ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٦: ٣٢٣)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (١: ١٩).
(٤) المحرر الوجيز (٣: ١٧٦).
(٥) الدر المصون (٦: ٣٣٤).
(٦) جبل مطلّ على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل، عليه استوت سفينة نوح﵇-، قال ياقوت الحموي: " ياؤه مشددة" اهـ، وقيل: الجودي اسم لكل جبل. ينظر: تفسير الطبري (١٥: ٣٣٤)، تفسير ابن أبي حاتم (٦: ٢٠٣٧)، تفسير الماوردي (٢: ٤٧٤)، تفسير البغوي (٤: ١٧٩)، معجم البلدان، لياقوت الحموي (٢: ١٧٩).
(٧) ينظر: تفسير الطبري (١٥: ٣٣٤)، تفسير الماوردي (٢: ٤٧٤)، تفسير البغوي (٤: ١٧٩)، زاد المسير، لابن الجوزي (٢: ٣٧٧).
[ ١٥٦ ]
ومنهم مَن قال بأن في (الجودي) لغتان: بتشديد الياء وتسكينها، دون إشارة إلى أن الياء في الجودي هي ياء النسب المشددة أو أن الجودي في الأصل منسوب إلى الجود.
قال بذلك: مكيُّ بن أبي طالب (^١)، وابن عطية (^٢).
قال مكيّ: "وفي الجودي لغتان: تشديد الياء، وتخفيفها". اهـ (^٣)
أما جمهور العلماء الذين تحدثوا عن هذه اللفظة فقد أثبتوا أن الجودي في الأصل منسوب إلى الجود، والياء فيها مشددة، وهي ياء النسب، وتخفيفها شاذ.
وممن قال بذلك: الأخفش (^٤)، وابن جنّي (^٥)، وأبو البقاء (^٦)، وأبو حيان (^٧)، والسمين (^٨)، وغيرهم (^٩).
_________________
(١) ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية (٥: ٣٤٠٣).
(٢) ينظر: المحرر الوجيز (٣: ١٧٦).
(٣) الهداية إلى بلوغ النهاية (٥: ٣٤٠٣).
(٤) ينظر: معاني القرآن (١: ٣٨٣).
(٥) ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (١: ٣٢٣).
(٦) ينظر: التبيان في إعراب القرآن (٢: ٧٠٠).
(٧) ينظر: تفسير أبي حيان (٦: ١٦١).
(٨) ينظر: الدر المصون (٦: ٣٣٤).
(٩) ينظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٢: ٣٧٦)، الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتجب الهمذاني (٣: ٤٧٥).
[ ١٥٧ ]
قال الأخفش: "وأما (الجُودِيُّ) فثُقّلَ لأنها ياء النسبة فكأنه أضيف إلى الجُود ". اهـ (^١)
وقال الراغب: " هو في الأصل منسوب إلى الجود". اهـ (^٢)
وقال أبو البقاء: "قوله -تعالى-: ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾: بتشديد الياء، وهو الأصل". اهـ (^٣)
وتشديد ياء النسب واجب لغةً باتفاق أهل اللغة، فلا يجوز تخفيفها؛ لئلا تلتبس بياء المتكلم المضاف إليها، ولأن النِّسبَة تصير لازمة للمنسوب، فصارَت هذه الإضافة - ياء النسب- أشدَّ مبالغة من سائِر الإضافات، فشدَّدُوا ياء النسب؛ ليدلوا على هذا المعنى (^٤).
أما تخفيف ياء النسب في هذه القراءة فهو لاستثقال الياءين -ياءي النسب- (^٥)، وهذا التخفيف -بحذف إحدى ياءي النسب- قليلٌ شاذ، وبابُه الشعر (^٦).
قال الفراء عن هذه القراءة: "هي مما كَثُر به الكلام عند أهله فخُفِّف". اهـ (^٧)
_________________
(١) معانى القرآن (١: ٣٨٣).
(٢) المفردات (١: ٢١١).
(٣) التبيان في إعراب القرآن (٢: ٧٠٠).
(٤) ينظر: علل النحو، لابن الوراق (١: ٥٢٩)، ملحة الإعراب، للحريري (١: ٦٤)، ضياء السالك إلى أوضح المسالك، لمحمد النجار (٤: ٢٥٢).
(٥) في النسب ياءان: الأُولَى منهما ساكنةٌ مدغمة في الأُخرى ويُكسر ما قبلها. ينظر: الأصول في النحو، لابن السراج (٣: ٦٣).
(٦) ينظر: المحتسب، لابن جني (١: ٣٢٣)، الصحاح، للجوهري (٢: ٤٦١)، التبيان في إعراب القرآن، لأبي البقاء (٢: ٧٠٠)، تفسير أبي حيان (٦: ١٦١).
(٧) معاني القرآن (٢: ١٦).
[ ١٥٨ ]
فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن تسكين الياء في هذه القراءة الأَوْلى أن يقال فيه: حذفت إحدى ياءي النسب؛ لاستثقال الياءين، وذلك قليل شاذ.
وقراءة الجمهور بالتشديد قد تعتبر مرجحًا للقول بأن الياء في (الجودي) ياء النسب، وهي قد تخفف كما في قراءة الأعمش وابن أبي عبلة.
وبالجملة فإن الخلاف بين قولي ابن عطية والسمين لا يترتب عليه اختلاف في المعنى، فالجودي هو ذاته في كلا التوجيهين، إنما الخلاف في لفظ الكلمة وأصلها لا في معناها.
* * *
[ ١٥٩ ]