يدور هذا الاستدراك حول مسألة: هل القراءتان بالتشديد والتخفيف في قوله: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بمعنى واحد أم لكل قراءة معنى؟
ذهب عدد كبير من المفسرين وبعض أهل اللغة إلى أن القراءة بالتخفيف معناها: انقطاع الدم، والقراءة بالتشديد معناها: الاغتسال بالماء.
وممن قال بذلك: الفراء (^١)، وابن قتيبة (^٢) (^٣)، ومكي بن أبي طالب (^٤)، والزمخشري (^٥)، وابن العربي (^٦) (^٧).
وذهب بعض العلماء من المفسرين والفقهاء وأهل اللغة إلى أن القراءتين بمعنى واحد، منهم: المبرّد (^٨) فيما نُقل عنه (^٩)، وأبو جعفر النحاس (^١٠).
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن (١: ١٤٣).
(٢) عبد الله بن مُسْلِم بن قُتَيْبَةَ الدِّيْنَوَرِيّ وَقِيْلَ: المَرْوَزِيُّ، أبو محمد، العلاّمة، الكاتب، من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد وسكن الكوفة. ثم ولي قضاء الدِّينَور مدة فنسب إليها، من كتبه: (غريب القرآن) و(غريب الحديث) و(المعارف) و(عيون الأخبار)، توفي ببغداد سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: تاريخ بغداد، للبغدادي (١١: ٤١١)، نزهة الألباء، للأنباري (ص: ١٥٩)، لسان الميزان (٣: ٣٥٧).
(٣) ينظر: غريب القرآن (ص: ٨٤).
(٤) ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها (١: ٢٩٣).
(٥) ينظر: (١: ٢٦٥).
(٦) محمد بن عبد الله بن محمد المَعَافِرِيُّ الإِشْبِيْلِيّ المالكي، أبو بكر، المعروف بابن العربيّ، الإمام، العَلاَّمَةُ، الحافظ، القاضي، قال عنه ابن بشكوال: "ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها"ا. هـ، وصنَّف كتبًا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ، ومنها: (العواصم من القواصم) و(أحكام القرآن) و(المحصول) في أصول الفقه، توفي سنة ٤٥٣ هـ. ينظر: الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، لابن بشكوال (ص: ٥٥٨)، سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢٠: ١٩٨)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون (ص: ٢٨١)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ١٠٥).
(٧) ينظر: أحكام القرآن (١: ٢٢٨ - ٢٣٤).
(٨) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأَزْدِيّ البَصري، أبو العباس، المعروف بالمُبَرِّدُ، إمام النحو، وأحد أئمة الأدب والأخبار، من أشهر تصانيفه: (الكامل في اللغة والأدب) و(المقتضب)، توفي ببغداد سنة ٢٨٦ هـ. ينظر: تاريخ العلماء النحويين للتنوخي (ص: ٥٣)، تاريخ بغداد، للبغدادي (٤: ٦٠٣)، إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي (٣: ٢٤١).
(٩) ينظر: تهذيب اللغة، للأزهري (٦: ٩٩).
(١٠) ينظر: معاني القرآن (١: ١٨٣).
[ ٦٧ ]
والقول بأن هناك فرقًا بين القراءتين هو الراجح لأسباب، منها:
١ - أنَّ معظم العلماء يرون ذلك، والذين قالوا بعدم التفريق هدفهم أن يسلم لهم ما يرونه في هذه المسألة (^١) من الناحية الفقهية (^٢).
٢ - أنَّه لا يُقَالُ: (اطَّهرت المرأة) بمعنى انقطع دمها، كما لا يُقَالُ (قَطَّعَ) مُشَدَّدًا بمعنى (قَطَعَ) مُخَفَّفًا، وإنّما التشديدُ بمعنى تكثير التخفيف (^٣).
٣ - أنَّ (التطهّر) لا يُستعمل إلا فيما يكتسبه الإنسان ويتكلّفه وهو الاغتسالُ بالماء، فأمّا انقطاعُ الدمِ فلَيْسَ بِمُكتَسَبٍ (^٤).
٤ - أنَّ اختلاف المعنيين إذا لم يحصل منه تضادٌ أولى؛ لتكونَ الكلمةُ الثانيةُ مفيدةً شيئًا جديدًا (^٥).
_________________
(١) ينظر: استدراكات ابن عطية على الطبري، لشايع الأسمري (ص: ٢٠٤).
(٢) لأن الحنفية جعلوا قراءة التخفيف دليلًا لهم على جواز غشيان المرأة بعد انقطاع دمها لأكثر مدة الحيض وإن لم تغتسل، والجمهور على المنع إلا بعد الاغتسال. ينظر: المبسوط، للسرخسي (٢: ١٦)، أحكام القرآن، لابن العربي (١: ٢٢٨).
(٣) ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي (١: ٢٢٨)، لسان العرب، لابن منظور (٤: ٥٠٥).
(٤) ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي (١: ٢٣١).
(٥) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢: ٣٦٧).
[ ٦٨ ]
قال ابنُ خالويه (^١): "الحجة لمن شدَّد أنه طابقَ بين اللفظين لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، والحجة لمن خفّف أنه أرادَ حتى ينقطع الدَّم؛ لأنَّ ذلك ليس من فعلهن، ثمَّ قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني بالماء". اهـ (^٢)
فمجموع القراءتين يحكم بأمرين:
أحدهما: أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر وذلك بانقطاع الحيض، على قراءة التخفيف.
الثاني: أنها لا يقربها زوجها حتى ينقطع الدم، وتزيد عليه التطهر بغسل المحل أو الوضوء أو الاغتسال على قراءة التشديد.
فجمعت هاتان القراءتان بين حكمين، ولابد منهما في جواز قربان الحائض (^٣).
وبناءً على ما ذُكر فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ إذ جعْلُ القراءتين في ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ - بالتشديد والتخفيف- بمعنى واحد فيه نظر.
* * *
_________________
(١) الحسين بن أحمد بن خَالَوَيْه، أبو عبد الله، النحوي، اللغوي، دخل بغداد ولقي فيها أكابر العلماء وأخذ عنهم، ومنهم: ابن مجاهد، من تصانيفه: الحجة في القراءات السبع، وإعراب ثلاثين سورة من القرآن، توفي بحلب سنة ٣٧٠ هـ. ينظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي (٣: ١٠٣٠)، إنباه الرواة، للقفطي (١: ٣٥٩)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (١: ٢٣٧)، بغية الوعاة، للسيوطي (١: ٥٢٩).
(٢) الحجة في القراءات السبع (ص: ٩٦).
(٣) ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها، لمكي بن أبي طالب (١: ٢٩٣)، القراءات وأثرها في التفسير والأحكام، لمحمد بازمول (ص: ١٤٥).
[ ٦٩ ]