أولًا: أقوال العلماء في (لَمَّا):
١ - أن (لَمَّا) ظرفية بمعنى حين.
قاله: ابن السرّاج (^٣)، والفارسي (^٤)، والراغب الأصفهاني (^٥) (^٦)، والزمخشري، وابن عطية، وابن الجوزي (^٧) (^٨)، وغيرهم (^٩).
_________________
(١) التبيان في إعراب القرآن (١: ٢٧٥).
(٢) الدر المصون (٣: ٢٩٢).
(٣) محمد بن السّري البغداديّ النَّحْوِيّ، أبو بكر، المعروف بابن السَرَّاج، إمام النحو، من مصنفاته: (الأصول) في النحو، توفي سنة ٣١٦ هـ. ينظر: تاريخ بغداد، للبغدادي (٣: ٢٦٣)، نزهة الألباء، للأنباري (ص: ١٨٦)، بغية الوعاة، للسيوطي (١: ١٠٩).
(٤) ينظر: الأصول في النحو، لابن السراج (٢: ١٥٧)، الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي (٣: ٦٥).
(٥) الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُفَضَّلِ الأَصْفهَانِيُّ، أَبُو القَاسِمِ، المعروف بالراغب، العلاّمة الماهر، المحقق الباهر، الأديب، من تصانيفه: (مفردات القرآن) و(محاضرات الأدباء)، توفي سنة ٥٠٢ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٨: ١٢٠)، بغية الوعاة، للسيوطي (٢: ٢٩٧)، طبقات المفسرين، للأدنه وي (ص: ١٦٨).
(٦) ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني (٢: ٦٨١).
(٧) عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزيّ البَكْريّ القُرَشيّ البغدادي، جمالُ الدين، أبو الفرج، الشيخ، الإمام، العَلاَّمة، الحافظ، المفسّر، شَيْخُ الإسلام، الحنبلي، الواعظ، كثيرُ التصانيف في علوم شتى؛ ومن هذه التصانيف: (زاد المسير في علم التفسير) و(المنتظم في تاريخ الأمم والملوك) و(فنون الأفنان في علوم القرآن) و(المدهش) و(تلبيس إبليس)، توفي سنة ٥٩٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٢١: ٣٦٥)، غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (١: ٣٧٥)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ٦١).
(٨) ينظر: زاد المسير في علم التفسير (١: ٣٠٠).
(٩) ينظر: إعراب القراءات الشواذ، لأبي البقاء (١: ٣٣٣)، تفسير القرطبي (٤: ١٢٦).
[ ٧٨ ]
واختلفوا في تقدير جوابها؛ فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم، أي: "حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإيمانُ به ونصرتُه" (^١).
وقدّر ابنُ عطية جوابها من جنس ما سبقها؛ قال: " أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ". اهـ (^٢)
٢ - أن (لَمَّا) حرفُ وجود لوجود، وهو مذهب سيبويه وجمهور النحاة (^٣)، ورجحه: أبو حيان (^٤)، والسمين الحلبي (^٥).
وجوابُها كما تقدَّم مِن تقديري ابن عطية والزمخشري.
٣ - أن أصلها (لِمنْ مَا)، وزيدت (مِن) في الواجب على مذهب الأخفش (^٦)، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء (لمما)، فثقل اجتماع ثلاث ميمات، فحذفوا إحداها، وهذا قول ابن جني (^٧).
قال أبو حيان: " وهذا التوجيه في قراءة التشديد في غاية البعد، ويُنَزّه كلام العرب أن يأتيَ فيه مثلُه، فكيف كلام اللَّهِ -تعالى-؟ ". اهـ (^٨)
_________________
(١) تفسير الزمخشري (١: ٣٧٩).
(٢) المحرر الوجيز (١: ٤٦٥).
(٣) ينظر: الكتاب، لسيبويه (٣: ١٠٧)، الجنى الداني في حروف المعاني، للمرادي (ص: ٥٩٤)، مغني اللبيب، لابن هشام (١: ٣٦٩)، موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب، للجرجاوي (ص: ١٠١)، همع الهوامع، للسيوطي (٢: ٢٢٢).
(٤) ينظر: تفسير أبي حيان (٣: ٢٤١).
(٥) ينظر: الدر المصون (٣: ٢٩١).
(٦) ينظر: معاني القرآن، للأخفش (١: ١٠٥).
(٧) ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (١: ١٦٤).
(٨) تفسير أبي حيان (٣: ٢٤٢).
[ ٧٩ ]
٤ - أنَّ الأصل أيضًا: لَمِنْ ما، فَفُعِل به ما تقدم من القلب والإِدغام ثم الحذفِ، إلا أن (مِنْ) ليست زائدةً بل هي تعليليَّةٌ، قال الزمخشري: "ومعناه لمِنْ أجل ما آتيتكم لتؤمنُنَّ به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى". اهـ (^١).
قال السمين: "وهذا الوجه أوجهُ ممَّا تقدَّمه لسلامته من ادِّعاء زيادة (مِنْ)، ولوضوح معناه". اهـ (^٢)
والراجح - والله أعلم- قول سيبويه والجمهور، وهو ما رجحه السمين الحلبي؛ لأسباب، منها:
١ - أنَّ (لَمَّا) ليس فيها شيء من علامات الأسماء (^٣).
٢ - أنّها لو كانت ظرفًا لكان جوابها عاملًا فيها، ويلزم من ذلك أن يكون الجواب واقعًا فيها، لأن العامل في الظرف يلزم أن يكون واقعًا فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] المراد: أنهم أهلكوا بسبب ظلمهم، لا أنهم أهلكوا حين ظلمهم، لأن ظلمهم متقدم على إنذارهم، وإنذارهم متقدم على إهلاكهم (^٤).
٣ - أنَّها تشعر بالتعليل، كما في الآية المذكورة، والظروف لا تشعر بالتعليل (^٥).
_________________
(١) الكشاف (١: ٣٨٠).
(٢) الدر المصون (٣: ٢٩٢).
(٣) ينظر: الجنى الداني، للمرادي (ص: ٥٩٤). والقول بأنها اسم بمعنى حين هو قول الفارسي وابن عطية كما سبق. ومن علامات الأسماء: دخول الألف واللام عليها، والتنوين، وحروف الجر، والنداء. ينظر: أسرار العربية، للأنباري (ص: ٣٩).
(٤) ينظر: رصف المباني في شرح حروف المعاني، لأحمد المالقي (ص: ٢٨٤)، الجنى الداني، للمرادي (ص: ٥٩٥).
(٥) ينظر: الجنى الداني في حروف المعاني، للمرادي (ص: ٥٩٥).
[ ٨٠ ]
ثانيًا: على القول بأن (لَمّا) أصلها (لَمِن ما) فحصل فيها قلب وإدغام وحذف؛ أي الميمات حُذفت؟
قال ابنُ عطية: "حذفت الميم الأولى". اهـ (^١)
قال السمين مستدركًا عليه: "وفيه نظر، لأنَّ الثقلَ إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حَذْفُ الثواني نحو: (تَنَزَّل) ". اهـ (^٢)
وقال أبو البقاء: "حذف الثانية لضعفها بكونها بَدَلًا، وحصول التكرير بها". اهـ (^٣)
والراجح: أن الميم الثانية هي التي حُذفت؛ لما ذكره أبو البقاء والسمين.
* * *
_________________
(١) المحرر الوجيز (١: ٤٦٥).
(٢) الدر المصون (٣: ٢٩١).
(٣) التبيان في إعراب القرآن (١: ٢٧٥).
[ ٨١ ]