اختلف العلماء في توجيه (يُرَؤُّون) ومقارنتها بالقراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾، ولهم في ذلك قولان رئيسان:
القول الأول: أنها تعدية (رأَّى) بالتضعيف، وهي أقوى في المعنى مِن القراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾؛ لأن معناها: يحملون على الرياء (^١)، أو يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق، وهو قول ابن جني (^٢) وابن عطية (^٣).
قال ابن جني: "معناه: يُبصِّرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، وهي أقوى معنى من ﴿يُرَاءُونَ﴾ بالمد على يفاعِلون؛ لأن معنى يراؤونهم يتعرضون لأن يروهم، و(يُرَءُّونهم) يحملونهم على أن يروهم" (^٤).
القول الثاني: أن (يُرَؤُّون) قريبة من معنى القراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾ وليست أقوى منها، وأن ﴿يُرَاءُونَ﴾ مفاعلة بمعنى التفعيل، كما يُقال: راءى؛ بمعنى: رأّى، ونعَّمه وناعمه، وأن القراءة المتواترة ﴿يُرَاءُونَ﴾ أقوى وأولى.
قاله: النحاس (^٥)، والزمخشري (^٦)، والسمين الحلبي (^٧).
وذهب الفراء إلى أن (فعّل) و(فاعَل) -كما في رأّى وراءى- متقاربة في المعنى (^٨).
_________________
(١) ينظر: إعراب القراءات الشواذ، لأبي البقاء (١: ٤١٥).
(٢) ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (١: ٢٠٢).
(٣) ينظر: المحرر الوجيز (٢: ١٢٧).
(٤) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (١: ٢٠٢).
(٥) ينظر: إعراب القرآن (١: ٢٤٥).
(٦) ينظر: تفسير الزمخشري (١: ٥٨٠).
(٧) ينظر: الدر المصون (٤: ١٢٦).
(٨) ينظر: معاني القرآن، للفراء (٢: ٣٣٤).
[ ٩٧ ]
والقول الثاني هو الراجح لأسباب، منها:
١ - لأن ﴿يُرَاءُونَ﴾ هي القراءة المتواترة والتي أجمع عليها القراء العشرة (^١).
٢ - لأن اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه (^٢).
٣ - لأن المفاعلة -فاعَل: راءى- تأتي لمعانٍ منها: التفعيل - فَعّل: رأّى- (^٣).
وعليه: فاستدراك السمين الحلبيّ وارد على ابن عطية.
* * *
_________________
(١) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس (١: ٢٤٥).
(٢) قرر هذه القاعدة غير واحد من العلماء، منهم مكي بن أبي طالب. ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها (١: ٢٢٧).
(٣) ينظر: شرح شافية ابن الحاجب، لركن الدين الإستراباذي (١: ٢٥٣)، تفسير الآلوسي (٣: ١٦٨).
(٤) قراءة الجمهور بالنصب في الموضعين، وقرأ أبيّ بن كعب بالرفع فيهما. ينظر: معاني القرآن، للفراء (١: ٢٩٥)، تفسير الطبري (٩: ٤٠٣)، إعراب القرآن، للنحاس (١: ٢٥١)، تفسير البغوي (١: ٧٢٣)، تفسير الزمخشري (١: ٥٩٠)، تفسير ابن عطية (٢: ١٣٧)، الفريد، للمنتجب الهمذاني (٢: ٣٨١)، تفسير القرطبي (٦: ١٨)، تفسير أبي حيان (٤: ١٣٨)، فتح القدير، للشوكاني (١: ٦٢٠).
[ ٩٨ ]