قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣].
• قال السمعاني - ﵀ -: " الربيبة: وهي ابنة الزوجة، وسُمّيت ربيبة لأن الزوج يربها في حجره على الأغلب، فهي حرام بعد الدخول بالزوجة، وسواء كانت في حجره، أو في حجر غيره ". (^١)
الدراسة:
استنبط السمعاني في هذه الآية بطلان إعمال مفهوم المخالفة في القول بأن الربيبة تحرم سواءً كانت في الحجر أو لم تكن، ووجه استنباطه الذي أبطل فيه إعمال مفهوم المخالفة أنّ الكلام خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كما بيّن ذلك الأصولييون. (^٢)
الموافقون:
وافق السمعاني الجمهور بالقول بأنّ القيد هنا لا مفهوم له، لأنّ الكلام خرج مخرج الغالب، قال ابن كثير: " وأما قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرامٌ سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: (وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له) " (^٣)،
_________________
(١) تفسير السمعاني (١/ ٤١٣).
(٢) للاستزادة من معرفة موانع مفهوم المخالفة انظر: الباب الأول- الفصل الثالث- المبحث الثاني (مفهوم المخالفة)، من هذه الرسالة.
(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٨٠).
[ ١٦٤ ]
وقال العثيمين مبينًا دليل عدم إعمال المفهوم هنا أيضًا: "إن الله تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وسكت عن مفهوم قوله ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فلمّا صرّح بمفهوم القيد الثاني وهو قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ علِم أنّ مفهوم القيد غير مشترط، وإنما ذكِر لبيان العلة." (^١) وممن قال بذلك من أهل التفسير: الجصّاص، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، وجلال الدين المحلي، والشوكاني، والسعدي، (^٢). مبينين أنّ القيد هنا أيضًا لبيان أعلى صورِ المنهيِّ عنه.
المخالفون:
أعمل أهلُ الظاهر مفهوم المخالفة في هذه الآية، وقالوا بأنّ الربيبة التي لا تكون في حجر زوج أمّها لا تحرم على زوج الأم، وذلك لأنّ من شروط الحرمة أن تكون في الحجر لظاهر الآية، ونسبوا هذا القول إلى عليّ ﵁، والذي قد أبطله ابن مسعود رضي الله عن الجميع، قال الرازي مستحسنًا هذا الاستدلال: " ونُقِل أنَّه رضوان الله عليه -أي علي- احتج على ذلك بأنه تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فإذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن ". (^٣)
_________________
(١) فتاوى لقاء الباب المفتوح - اللقاء ١٠٨.
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٦٢)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٠٨)، واللباب في علوم الكتاب (٦/ ٩٦)، وتفسير الجلالين (١/ ٩٠)، وفتح القدير (١/ ٤٤٥)، وتفسير السعدي ص ١٧٤. ومحاسن التأويل (٣/ ٧١).
(٣) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٢٨).
[ ١٦٥ ]
النتيجة:
بعد معرفة أدلّة الموافقين والمخالفين وحججهم، ثبت القول بأنّ القيد المذكور في الربيبة لا مفهوم له، إضافةً إلى ما أخرجه البخاريُّ في صحيحه من أنّ النبي ﷺ دفع ربيبةً له إلى من يكفلها وقد حرمت عليه تلك الربيبة ﵇، (^١) فلو كان التقييد بالحجر معتبرًا وله تأثير في التحريم لصرّح به كما صرَّح بالدخول ولقال: "فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم فلا جناح عليكم، فلما لم يذكر التقييد بالحجر، دلّ على عدم اعتباره، وقد تقرر كذلك في أصول الفقه أن ما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له (^٢).
وأما ما أُثِر عن علي ﵁ فلا يثبت، قال الشوكاني: " قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ، لأن راويه إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف ". (^٣)
وقد ذكر ابن القيم أن في ذكر هذا القيد فائدةً شريفةً، وهي جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب مؤاكلتها، والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك (^٤).
وبهذا وغيره من الاستنباطات التي ذكرت يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني بأن هذا القيد إنما خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح- باب (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) حديث ٣٥٣٦ (٥/ ١٩٦٢).
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٦/ ٩١) والمذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٤٠).
(٣) انظر: فتح القدير (١/ ٥٦١).
(٤) انظر: زاد المعاد (٥/ ١١١).
[ ١٦٦ ]