مفهوم الموافقة: هو أن يكون المسكوت عنه موافقًا للمنطوق به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا فيسمى لحن الخطاب. (^٢)
وقد بيَّن السمعاني ﵀ هذين النوعين فقال: " فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة وطريق الأولى، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، وأما لحن الخطاب فقد قيل ما أضمر في أثناء اللفظ، وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله، والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه ". (^٣)
_________________
(١) ترجع تسمية دلالة النص أو إشارة النص إلى نفس المعنى المراد بمفهوم الموافقة وهذه التسمية قد أثرت عن الحنفية، انظر: كشف الأسرار للبزدوي (١/ ١١٥)، وروضة الناظر لابن قدامة (٣/ ١١٩)، والبرهان للزركشي (٢/ ٢١)، لأنها تحيل إلى نفس المعنى، وقد تكلم عنها الزركشي في البرهان فقال في دلالة النص: " واعلم أن هذا النوع البديع ينظر إليه من ستر رقيق وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام كما في آية التأفيف فإنا نعلم أن الآية إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب ولو لم يفهم المعنى لا يلزم ذلك لأن الملك الكبير يتصور أن يقول لبعض عبيده اقتل قرني ولا تقل له أف ويكون قصده الأمن عن مزاحمته في الملك فثبت أن ذلك إنما جاء لفهم المعنى ". انظر: البرهان (٢/ ٢١).
(٢) انظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٢٧٦)، والمحصول للرازي (٣/ ١٣)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، ونهاية السول للأسنوي (١/ ٣٠٧) والتقرير والتحرير لابن أمير الحاج (١/ ١٤٩)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٣٧)، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٢٢٢)
(٣) قواطع الأدلة (١/ ٢٣٦). وقد سمى السمعاني هذه الدلالة والتي هي من نوع فحوى الخطاب في موضع آخر بإشارة النص فقال: " وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب " قواطع الأدلة (١/ ٢٦٠).
[ ٦٣ ]
وقد استدلّ الآمدي على كون مفهوم الموافقة حجة بأنه: إذا قال السيد لعبده: لا تعطِ زيدًا حبة ولا تقل له أفٍّ، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه؛ فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق العبوس من هجره الكلام وغيره (^١).
وقد حوت استنباطات السمعاني على النوع الأول من أنواع دلالات مفهوم الموافقة، وهو دلالة فحوى الخطاب، ومن الأمثلة على ذلك:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قال السمعاني - ﵀ -: " .. والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا توبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى ". (^٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠].
قال السمعاني - ﵀ -: وقوله: " ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير ". (^٣)
_________________
(١) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٩٦) بتصرف يسير، وللاستزادة انظر: دلالات وطرق الاستنباط للكندي (ص ٢٥٧).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٦٤)، والاستنباط رقم (٦٧).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٢١)، والاستنباط رقم (١٠٥).
[ ٦٤ ]
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤].
قال السمعاني - ﵀ -: " وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها ". (^١)
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٠٢)، والاستنباط رقم (١١٣).
[ ٦٥ ]