دلالة الالتزام: هي دلالة المعنى الذي دل عليه اللفظ في غير ما وضع له، لازمٌ له لزومًا ذهنيًا. (^١)
وقد ذكر السمعاني هذه القاعدة في كتابه قواطع الأدلة، بعدما بين أن الخطاب الدال على وجوب الشيء يدل على ما يتوقف عليه أيضا، فقال ﵀: " وبذلك يكون الخطاب دالا على شيئين - أحدهما بطريق المطابقة - وهو وجوب الشيء - وثانيهما بطريق الالتزام - وهو وجوب ما يتوقف ذلك الشيء عليه من حيث الوجود واشترطوا لذلك شرطا هو أن يكون ما يتوقف وجود الشيء عليه مقدورا للمكلف بحيث يستطيع فعله". (^٢)
وقد استنبط السمعاني بهذه الدلالة عددًا من الاستنباطات، ومن الأمثلة على ذلك:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦].
قال السمعاني - ﵀ -: " هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر ". (^٣)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٦٧].
_________________
(١) انظر: المحصول (١/ ٣٠٠)، البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٤٢٢)، والمستصفى (١/ ٣٢)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٢١)، ومعالم في أصول الفقه (١/ ٤٤٦).
(٢) قواطع الأدلة (١/ ١٠٢).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٤١)، والاستنباط رقم (٢٣).
[ ٦٩ ]
قال السمعاني - ﵀ -: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: من حلال ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث". (^١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف ٣٨].
قال السمعاني - ﵀ -: " وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافا لقول الحسن، حيث قال: لا يموتون ". (^٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف ١٤٨].
قال السمعاني - ﵀ -: " وهذا دليل على أن الله متكلم لم يزل ولا يزال، لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية ". (^٣)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف ٩].
قال السمعاني - ﵀ -: " وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. واستدل أهل السنة
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٧٢)، والاستنباط رقم (٢٥).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ١٨٠)، والاستنباط رقم (٥٠).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢١٦)، والاستنباط رقم (٥٤).
[ ٧٠ ]
بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة ". (^١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩].
قال السمعاني - ﵀ -: في الآية دليلٌ على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح، لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه. (^٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١].
قال السمعاني - ﵀ -: " وفي الآية دليلٌ على أنه بشره بأنه يكبر، ويعمر حتى يوصف بالحلم والوقار ". (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٠)، والاستنباط رقم (٦٧).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٤)، والاستنباط رقم (٩٧).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٤٠٧)، والاستنباط رقم (٩٩).
[ ٧١ ]