مفهوم المخالفة: هو أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه إثباتا، ونفيا. (^٢)
وقد أقرّ السمعاني هذه الدلالة حتى تنوعت هذه الدلالة في استنباطاته، فتارةً بمفهوم الوصف، وتارةً بمفهوم الشرط، مستوفية شروط العمل بها (^٣).
قال السمعاني تقريرًا لهذه القاعدة: " ثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها إلى مفهومها ومن أفعال الرسول ﷺ وإقراره وفي إجماع علماء الأنصار فإن وجد في شيء من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم ". (^٤)
_________________
(١) قال الغزالي: " ويسمى مفهوما، لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى المنطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق - أيضا - مفهوم". المستصفى (٢/ ٨٥)، وانظر: روضة الناظر (٢/ ٧٧٥). وقد أسماه بعض الأصوليين بدليل الخطاب، لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه. انظر إرشاد الفحول (٢/ ٣٨).
(٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٩٦)، والمحصول (٣/ ١٤)، وروضة الناظر (٣/ ١٢٠)، والتقرير والتحرير (١/ ١٥١)، وإرشاد الفحول (٢/ ٣٨).
(٣) ذكر العلماء خمسة شروط للعمل بهذه الدلالة وهي: الشرط الأول: أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، والشرط الثاني: أن لا يقصد الشارع تهويل الحكم وتفخيم أمره، والشرط الثالث: أن لا يكون المنطوق محل إشكال في الحكم، فيزال بالتنصيص عليه، والشرط الرابع: أن لا يكون الشارع ذكر حدا محصورا للقياس عليه، لا للمخالفة بينه وبين غيره، والشرط الخامس: أن لا يكون المقصود منه المبالغة والتكثير. انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٤٩٢)، وإرشاد الفحول (١/ ١٨٠)، ومذكرة الشنقيطي (١/ ٢٤١)، ومعالم أصول الفقه للجيزاني ص ٤٦٥، وأصول الفقه لشلبي ص ٥٠٢، والدلالات وطرق الاستنباط للكندي (٢٦١ - ٢٧١).
(٤) قواطع الأدلة (٢/ ٣٠٢).
[ ٦٦ ]
وقد طبَّق السمعاني إعمال مفهوم المخالفة في استنباطاته خلال تفسيره، ومن الأمثلة على ذلك:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].
قال السمعاني - ﵀ -: " وهذا دليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبًا وتعريكًا ". (^١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].
قال السمعاني - ﵀ -: " ومعنى قوله تعالى ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة ". (^٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].
قال السمعاني - ﵀ -: " ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل ". (^٣)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٩)، والاستنباط رقم (١٠).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٦٩)، والاستنباط رقم (١٤).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤١٦)، والاستنباط رقم (٣٣).
[ ٦٧ ]
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].
قال السمعاني - ﵀ -: " وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى موافقًا للحق، وإن كان نادرا ". (^١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥].
قال السمعاني - ﵀ -: " قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا دليل على أنه قد يكون فرح بحق ". (^٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
قال السمعاني - ﵀ -: " قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى ". (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٤٦)، والاستنباط رقم (٩٤).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٢)، والاستنباط رقم (١٠٢).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٨١)، والاستنباط رقم (١١٤).
[ ٦٨ ]