المطرد من أسلوب القرآن: هو تتابع الأفعال، واختيار الألفاظ وتكررها، على نسق واحد، تجاه أمر ما في القرآن الكريم. (^١)
وأسلوب القرآن - كما هو واضح - هو طريقته المعهودة، قال ابن القيم تقريرًا لهذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ «وفيها فوائد عديدة، إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ﷾، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يُبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبُني الفعل فيها للمفعول، أدبًا في الخطاب، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾، وقال بإحسان: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونظيره قوله إبراهيم الخليل ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء ذكر المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل (أمرضني) وقال: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾» (^٢).
ومن طريقة القرآن وعادته استنبط السمعاني مجموعة من الاستنباطات، ومن أمثلتها:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣].
_________________
(١) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم للدكتور فهد الوهبي ص ٣٣٨.
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٣/ ٢٨ - ٣٠).
[ ٧٥ ]
قال السمعاني - ﵀ -: " وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب ". (^١)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٦٥].
قال السمعاني - ﵀ -: " وهذا دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ". (^٢)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠].
قال السمعاني - ﵀ -: " ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين ". (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٨٦)، والاستنباط رقم (٢٦).
(٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٠٣)، والاستنباط رقم (٤٠).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٥٣)، والاستنباط رقم (٨٩).
[ ٧٦ ]