قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨].
• قال السمعاني - ﵀ -: " قوله تعالى ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان ". (^١)
الدراسة:
استنبط السمعاني من هذه الآية ردًّا لمعتقد طائفة المرجئة (^٢)، والكرامية (^٣)، والتي تسلك مسلك أهل النفاق، الذي من جملة أصولهم الباطلة أن الإيمان إقرار
_________________
(١) تفسير السمعاني (١/ ٤٧).
(٢) المرجئة: هي فرقة ظهرت في آخر القرن الأول الهجري، في الكوفة، وأول من تكلم في ذلك حماد بن أبي سليمان، وهي فرقة ذات مفاهيم وآراء عقدية خاطئة في مفهوم الإيمان التي لم يعد لها كيان واحد، حيث انتشرت مقالتهم في كثير من الفرق، فمنهم من يقول إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب فقط وهم مرجئة الفقهاء وهؤلاء أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وبعضهم يقصره على قول اللسان وهم الكرامية، والبعض الآخر يكتفي في تعريفه بأنه التصديق وهم الماتريدية ومن وافقهم من الأشاعرة، وغالى بعضهم فقالوا إنه المعرفة وهو قول الجهم بن صفوان. انظر: الملل والنحل (١/ ١٦١)، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٣٨ - ١٥٢).
(٣) الكرامية: هي طائفة منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرام، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشر فرقة. وأصولها ستة: العابدية والتونية والزرينية والإسحاقية والواحدية وأقربهم الهيصمية ولكل واحدة منهم رأي، ومن أصولهم قولهم: بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب ودون سائر الأعمال وفرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنا فيما يرجع إلى أحكام الظاهر والتكليف وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء فالمنافق عندهم: مؤمن في الدنيا على الحقيقة مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة، وقالوا في الإمامة: إنها تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين كما قال أهل السنة إلا أنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين وغرضهم إثبات إمامة معاوية في الشام باتفاق جماعة من أصحابه وإثبات أمير المؤمنين علي بالمدينة والعراقين باتفاق جماعة من الصحابة. انظر: الفرق بين الفرق (١/ ٢٠٢)، والملل والنحل (١/ ١١٠)، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٤١).
[ ٩٦ ]
باللسان فحسب ولا يلزم مع ذلك إيمان القلب والجوارح والأركان فأبطل السمعاني معتقدهم هذا بهذه الآية ذات الدلالة الظاهرة.
قال القرطبي: " وفي هذا رد على الكرامية حيث قالوا: إن الايمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، ولم يقل: بما قالوا وأضمروا، وبقوله ﵇: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم) (^١)، وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد ". (^٢)
وبنحوه قال الرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن عادل الحنبلي. (^٣)
وقال الرازي: " والإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي ". (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة - حديث رقم ٢٥ (١/ ١٧)، ورواه ابن حبان في صحيحه - باب فرض الإيمان - حديث ١٧٤ (١/ ٣٩٩).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٩٣).
(٣) انظر: مفاتيح الغيب (٢/ ٣٠١)، وأنوار التنزيل (١/ ١٦٢)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٢)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٧١٤).
(٤) مفاتيح الغيب (٢/ ٣٠١).
[ ٩٧ ]
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الطائفة الضالة بنصوص القرآن والسنة والتي تخالف معتقدهم هذا. (^١)
ومما سبق يتبين بطلان هذا المعتقد الضال ولا أصرح من هذه الآية في الرد عليهم، أو ما ذكره الله تعالى في الآية التي تناولت أركان الإيمان، سواء الإقرار القلبي والتصديق اللساني والعمل بالجوارح والأركان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فقصر الإيمان على من اتصف بتلك الصفات والأفعال الشاملة لأعمال القلب واللسان والجوارح، بمعنى أن من ترك أحدها فهو غير مؤمن، وكذلك العديد من الآيات المبثوثة في القرآن والسنة، وقد بوَّب الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أبوابًا كثيرة تثبت أن الإيمان إقرار وتصديق وعمل.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٤٠)، والإيمان الكبير (٢/ ١٧٤)، وللاستزادة انظر أيضا: إعانة المستفيد (٢/ ١٥٥)، والمواقف للإيجي (٣/ ٥٢٩)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٠٤).
[ ٩٨ ]