قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٦].
• قال السمعاني - ﵀ -: " والنسخ (^١) جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه ". (^٢)
الدراسة:
لم يكن استنباط السمعاني بجواز النسخ من ظاهر هذه الآية إلا لكثرة من تكلموا في النسخ سواءً بمنعه كليًّا أو جوازه عقلًا ومنعه سمعًا أو غير ذلك من أنواع إنكار النسخ، فاستنبط ﵀ من بيان الله، وإثباته لنسخ بعض الآيات جوازه ووقوعه في القرآن.
الموافقون: (^٣)
اتفقت الأمة على جواز النسخ في القرآن وأنه جائز وقوعه عقلا وسمعا بل وقد وقع، ووافق السمعاني في هذا جمع من المفسرين، قال الزركشي: " والصحيح
_________________
(١) النسخ لغة: الرفع والإزالة، وشرعًا: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه. انظر: روضة الناظر: (١/ ٢٨٣)، والمذكرة في أصول الفقه (١/ ٦٤).
(٢) تفسير السمعاني (١/ ١٢١).
(٣) انظر: النسخ في القرآن الكريم لمصطفى مسلم (١/ ٢٣٧)، ومناهل العرفان (٢/ ١٩٣).
[ ١١٢ ]
جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا ". (^١) وقال النسفي " وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقًا ومختلفًا ويجوز نسخ التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص". (^٢) وكذلك قاله الطبري، والثعلبي، وابن عطية، وابن القيم، وابن كثير، والبيضاوي، والزرقاني، والشنقيطي، وغيرهم كثير. (^٣)
وقد وافقهم أيضا علماء الفقه وأصوله، وذكروا أدلة القول بالنسخ، قال ابن قدامه: " وقد أنكر قوم النسخ وهو فاسد لأن النسخ جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا أما العقل فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحتة في زمان دون زمان، ولا بعد في أن الله يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا ويمتنعوا بسبب العزم عليه عن معاص وشهوات ثم يخففه عنهم، فأما دليله شرعا فقال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٤)، وقد وافقه أيضا الآمدي، وابن حزم، والزركشي، والغزالي، والشوكاني وغيرهم. (^٥)
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٣٠).
(٢) مدارك التنزيل (١/ ٦٨).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣٨٨)، والكشف والبيان (١/ ٢٥٣)، والمحرر الوجيز (١/ ١٣٨)،، وإغاثة اللهفان (٢/ ٣٢٦)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٦١)، وأنوار التنزيل (١/ ٣٧٩)، ومناهل العرفان (٢/ ١٩٣)، وأضواء البيان (٢/ ٤٤٨).
(٤) روضة الناظر (١/ ٧٣).
(٥) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ١٢٨)، والإحكام لابن حزم (٤/ ٤٦٨)، والبحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ١٥٤)، والمستصفى (١/ ٢١٤)، وإرشاد الفحول (٢/ ٧٠).
[ ١١٣ ]
المخالفون: (^١)
أنكرت طائفة وقوع النسخ في القرآن، واختلفوا ما بين مَن جوَّزه عقلًا أو منعه سمعًا، أو منعه بالكلية. وأيضًا قد نقل أن أبا مسلم الأصفهاني (^٢) قد أنكر وقوع النسخ في القرآن ووجه إحكام الآيات المنسوخة.
أما المتأخرون فقالوا أن ليس هناك نصًا في أن المراد بالنسخ هو النسخ للآية القرآنية، وإنما المراد هو المعجزة، وكان هذا ردًا على كفار قريش الذين طلبوا آية - أي معجزة كونية مادية، ويزكي هذا القول إختتام الآية بذكر قدرة الله تعالى، ولو كان المراد بالآية هو الآية المنزلة، لختمت الآية بما يناسبها من العلم والحكمة، ثم ذكروا عدة أدلة تثبت عدم جوازه وعدم وقوعه في القرآن. (^٣)
_________________
(١) انظر لا نسخ في القرآن ص ٢٢٤، بالحجة والبرهان لانسخ في القرآن ص ٣٠، النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه ص ٢٠٠.
(٢) الأصفهاني: هو محمد بن بحر الأصفهاني، أبو مسلم من أهل أصفهان، ولد سنة ٢٥٤ هـ، معتزلي، من كبار الكتاب، عالما بالتفسير، توفي سنة ٣٢٢ هـ. انظر: بغية الوعاة (١/ ٥٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ٥٠)، ومعجم المؤلفين (٩/ ٩٧).
(٣) قال النافون للنسخ: أولا: ماسبق ذكره اعلاه في أن تأويل الآية المراد بها المعجزة وليست الآية القرآنية، ثانيا: أنه لا يوجد نسخ في القرآن الكريم لأنه " كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ثالثا: يقولون أن النسخ جاء على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فإنه لا يثبت إلا بنص في المعنى، أي لا يحتمل في دلالته إلا وجهًا واحدًا ولا يوجد نص قطعي الدلالة والثبوت يثبت أن هناك نسخ في آية من آيات القرآن الكريم. رابعا: أننا لم نسمع من النبي ﷺ وأصحابه المقربين أنهم قالوا بذلك قولًا منقولًا إلينا بالتواتر يكون به العلم اليقيني، بل هذا إصطلاح السلف المتأخر. خامسا: يقولون أنه لو صح يقينًا أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا لكان هذا أصلًا واجب المعرفة والتقرير والإعتراف به كالقرآن المسطور بين أيدينا تمامًا يكون من ألزم اللوازم إدراكه حين التشريع وعند تدوين الأحكام ولما اختلف فيه مدعوا النسخ أنفسهم، ولكنهم إختلفوا فيه إختلافًا كبيرًا. سادسًا: قالوا النسخ في آي القرآن يقتضي إما الجهل أو التجهيل لله ﷾ وهذا يستلزم منه البداء على الله وهو محال. انظر لا نسخ في القرآن ص ٢٢٤، الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي ص ٢٠٠، بالحجة والبرهان لا نسخ في القرآن ص ٣٨، نظرات في القرآن للغزالي ص ٢٣٥.
[ ١١٤ ]
وقد رد عليهم القائلون بالنسخ أدلة من القرآن والسنة بل ومن حيث ما استدل النافون للنسخ فألجمتهم وأسكتت أفواههم، بل وردوا عليهم أيضا بالأدلة العقلية. (^١)
النتيجة:
أن ماذهب إليه السمعاني ومن وافقه من قبله ومن بعده هو عين الصواب وذلك لموافقته لنصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وإجماع علماء الأمة من المفسرين، والأصوليين، وغيرهم على القول بجواز ووقوع النسخ، والله أعلم.
_________________
(١) قال المثبتون للنسخ: أولًا: في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.قال بن جرير في تفسير هذه الآية: " أي ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك بأن يكون الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا ".فبين الطبري ﵀ أن المقصود هنا من لفظ (آية): هو الآية القرآنية وليس المعجزة. ثانيًا: أما من حيث دعواهم كون أن النسخ جاء على خلاف الأصل وما جاء خلاف الأصل لا يثبت إلا بدليل ففي سبب النزول الذي رواه ابن عباس ﵄ والذي قال فيه: " كان إذا نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية فيها لين تقول قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمرهم بأمر وغدًا ينهاهم عنه؟ ما هو إلا مفتر ". دلالة على رفع الأصل وإثبات للبدل. ثالثًا: ومن الردود على من نفى وجود النسخ في القرآن وجود بعض الأدلة النقلية التي تدل على تغيير بعض أحكام الشريعة من تحويل حلال إلى حرام أو من حرام إلى حلال كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. ووجه الدلالة منها أنها تفيد تحريم ما أحل الله من قبل من الأحكام الجزئية العملية، وما ذلك إلا نسخ ورفع لحكم الحلال فيكون حرامًا. وكلمة " أحلت لهم " يفهم منها أن الحكم الأول كان حكمًا شرعيًا، حيث ذكرت الآية أن بعض الطيبات أحلها الله لهم وليس بالبراءة الأصلية والإباحة. رابعًا: ومن الأدلة القائمة على جواز النسخ ووقوعه في القرآن الكريم، وجود آيات في كتاب الله تعالى نسخت أحكامها وبقى لفظها وهي عديدة، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فإن حكمها منسوخ بالآية التي بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وغير ذلك من الأدلة. انظر البرهان في علوم القرآن (٢/ ٣٠)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥٥)، ومناهل العرفان (٢/ ١٩٣)، والنسخ في القرآن الكريم لمصطفى مسلم (١/ ٥٢)، وفتح المنان في نسخ القرآن ص ٨٥.
[ ١١٥ ]