قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].
• قال السمعاني - ﵀ -: " في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد مالا يطيقونه". (^١)
الدراسة:
استنبط السمعاني ﵀ من هذه الآية استنباطًا أصوليًا، مفاده أن الله يجوز عقلًا أن يكلف العباد ما ليس لهم طاقة به وذلك لأنه لا يطلب الدعاء إلا من شيء قد يجوز وقوعه على العبد، وذلك التجويز يكون عقلًا لا شرعًا.
قال الآمدي عن الذين سألوا الله أن لا يكلفهم ما لا يطيقونه: " سألوا دفع التكليف بما لا يطاق ولو كان ذلك ممتنعًا لكان مندفعا بنفسه ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة ". (^٢)
وقال البيضاوي: " ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من البلاء والعقوبة أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه ". (^٣)
وممن قال به من الأصوليين والمفسرين: الغزالي (^٤)، وابن قدامة، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٥)
_________________
(١) تفسير السمعاني (١/ ٢٨٩).
(٢) الإحكام للآمدي (١/ ١٨٣).
(٣) أنوار التنزيل (١/ ٣١٥).
(٤) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي النيسابوري، فقيه، أشعري، ولد في غزالة من إقليم خراسان سنة ٤٥٠ هـ، وهو من أعلام القرن الخامس الهجري، من أشهر كتبه: المستصفى في أصول الفقه، توفي سنة ٥٠٥ هـ.
(٥) انظر: المستصفى (١/ ١٦٣)، وروضة الناظر (١/ ٥٢)، لباب التأويل (١/ ٢٢١)، وإرشاد الفحول (١/ ٣٢)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٣٣)، والتحرير والتنوير (٢/ ٣٧٩).
[ ١٥٠ ]
وجواز التكليف عقلا لحكمة ابتلاء الانسان، هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون حكم العاصي.
وخالف أكثر المعتزلة بأن منعوا التكليف بما لا يطاق وقالوا أنه لا فائدة فية فهو محال عقلا، ولأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلا. (^١)
وقد بين الشنقيطي في مذكرته في أصول الفقه أقسام المستحيل عقلا بنوعيه والتي مآل أحدها أن الله يجوز أن يكلف عباده عقلا. (^٢)
_________________
(١) انظر: مفاتيح الغيب (٧/ ١٢١).
(٢) قال الشنقيطي: فالمستحيل عقلا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدين فى شيء واحد من جهة واحدة. ويسمى هذا القسم المستحيل الذاتى، وايضاحه أن العقل اما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا فان قبل وجوده فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا، فان قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتى المعروف بواجب الوجود كذات الله جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وان قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلا كوجود شريك لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. وان قبل العقل وجودوه وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلا وهو الجائز الذاتى كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتى أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعًا لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة. والقسم الثانى من قسمى المستحيل عقلا هو ما كان مستحيلا لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ماسبق فى علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضى، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغى لأن وصف استحالتة بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلى لا يليق بصفة الله، فالذى ينبغى أن يقال أنه مستحيل لأجل ما سبق فى علم الله من أنه لا يوجد ومثال هذا النوع ايمان أبى لهب فان ايمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا الجواز الذاتى لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان ايمانه مستحيلا عقلا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالايمان مع أنه مكلف به قطعًا اجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلا الذاتى، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا باجماع المسلمين لأنه جائز ذاتى لا مستحيل ذاتى، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لأن العلم اما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادى كتكليف الانسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعى كالمستحيل العقلى هذا هو حاصل كلام أهل الأصول فى هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هى الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا، لان شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. انظر: مذكرة أصول الفقه (١/ ٣٣ - ٣٥).
[ ١٥١ ]
النتيجة:
تبين مما سبق صحة ماذهب إليه السمعاني ومن وافقوه من المفسرين والأصوليين لصراحة وقوة الأدلة عندهم لأنه لا يسأل الله سبحانه إلا بشيء يجوز عقلا التكليف به وإلا تكليف ما لا يطاق شرعا لم يحصل، قال الشاطبي: " والإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة ". (^١) والله أعلم.
_________________
(١) الموافقات (١/ ٢٣٧).
[ ١٥٢ ]