أ - أهمية الاستنباط:
لا أدل على أهمية الاستنباط من أن الله تعالى سماه علما، ومدح أهله، وأخبر أنهم أهل العلم، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]، ولولا أن الاستنباط علم معتبَرٌ، وحجة في الشرع، لما أمر الله تعالى عباده برَدِّ ما لم يدركوا علمه نصا إلى من يدركونه بالاستنباط من أهل العلم، فالاستنباط من أهم أسباب دَرَكِ العلوم (^٦).
_________________
(١) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢.
(٢) هو الحافظ محمد بن علي الكَرَجي نسبة إلى مدينة كَرَج بين همذان وأصبهان، وسمي بالقصاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه، جمع بين الفقه، والحديث، مع المعرفة باللغة والقراءات، توفي في حدود الستين وثلاثمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج ١٦/ ص ٢١٣، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٣٨٠.
(٣) جمع نكتة، النَّكْتُ أن تنكت بقضيب في الأرض فتؤثر بطرفه فيها، انظر: لسان العرب ج ٢/ ص ١٠٠. قال الجرجاني: (النكتة هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من نكت رمحه بأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها). التعريفات ص ٣١٦.
(٤) هو أبو الربيع، نجم الدين، سليمان بن عبد القوي الصَّرْصَري، نسبة إلى صرصر من نواحي بغداد، فقيه أصولي، كان فقيها حنبليا، شاعرا أديبا، له مؤلفات كثيرة منها: "الإكسير في قواعد التفسير"، توفي سنة سبعمائة وستة عشر للهجرة. انظر: الدرر الكامنة ج ٢/ ص ٢٤٩، وبغية الوعاة ج ٢/ ص ٤٢.
(٥) المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ.
(٦) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣، واستنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ١٤.
[ ١٧ ]
قال ابن القيم: (وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم) (^١).
ومما يدل على أهمية الاستنباط أيضا أمور:
الأول: اعتناء المفسرين به.
فقد اعتنى العلماء بالاستنباط من القرآن عناية بالغة تدل على أهميته، ومكانته عندهم. فلا يكاد يوجد كتاب من كتب التفسير-قديما وحديثا- إلا ويتضمن عددا كبيرا من الاستنباطات (^٢).
الثاني: تنوع المعاني المستنبطة، وانتفاع الناس بها، فالمعنى المستنبط قد يكون حكما فقهيا، أو عقديا، أو أدبا أخلاقيا، أو فائدة تربوية، أو فائدة علمية، أو غير ذلك مما ينفع الناس في دينهم ودنياهم.
الثالث: أن الاستنباط سبيل إلى إعطاء ألفاظ القرآن حقَّها، وتوفيتها ما لها من المعاني.
قال ابن القيم: (الواجب فيما علَّقَ عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقْصَر بِها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم) (^٣)، ومن حق اللفظ والمعنى استيعاب المعاني الصحيحة المتعلقة بهما من جهة نِدِّ المعنى ولوازمه وأشباهه ونظائره. (^٤).
الرابع: أن المعاني المأخوذة بالاستنباط أكثر من معاني الألفاظ المباشرة، بل إن من أحكام الحوادث ما لا يُعرَفُ بالنصِّ وإنما بالاستنباط، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة، ولم تبينهما العبارة (^٥). فليس كل حكم يؤخذ من اللفظ، بل أكثرها تؤخذ من جهة المعاني والاستنباط من النصوص إذ الألفاظ محصورة، ومعانيها محددة، والوقائع والمناسبات متجددة، وقد أنْزل الله تعالى كتابه الكريم صالحا لكل زمان ومكان، وتبيانا لكل شيء يتوقف عليه التكليف والتعبد، وتستقيم به حياة الناس؛ من العلوم الشرعية، والحقائق العقلية، وقد أبان عن هذا ابن عاشور: -في حديثه عن المقصد الأول من مقاصد القرآن الكريم-: (كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين؛ لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين) (^٦).
والعناية بالاستنباط واجب مطلوب. قال النووي (^٧): (فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل
_________________
(١) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٢٢٥.
(٢) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص ٨.
(٣) إعلام الموقعين ج ١/ ص ٢٢٥.
(٤) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣، ٢٤.
(٥) انظر: روح المعاني ج ٦/ ص ١٩١.
(٦) التحرير والتنوير ج ٣/ ص ١٨.
(٧) هو الإمام، الفقيه، الحافظ، محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف، صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرها، كشرح مسلم، ورياض الصالحين، مات سنة ست وسبعين وستمائة. انظر: تذكرة الحفاظ للقيسراني ج ٤/ ص ١٤٧٠، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥١٣.
[ ١٨ ]
الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم) (^١).
وقال الجصاص (^٢): (وفي هذه الآية-يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ - دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في الأحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول -ﷺ- في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته -ﷺ-، وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه؛ فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كلفنا الوصول إلى الاستدلال عليه واستنباطه، فقد حوت هذه الآية معاني: منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه، بل مدلول عليه، ومنها أن على العلماء استنباطه، والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص) (^٣). (^٤).
الخامس: أن الاستنباط سبب لتحصيل العلم العظيم، قال السعدي: (لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم، والخير الكثير بحسب ما وفقه الله له. وقد كان في تفسيرنا هذا كثير من هذا منَّ به الله علينا، وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة) (^٥). (^٦).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ج ١١/ ص ٥٧، ٥٨.
(٢) هو أحمد بن علي، أبو بكر، الرازي الجصاص الحنفي، درس الفقه على كبار الحنفية في عصره، كان زاهدًا ورعًا جمع إلى العلم الصلاح والتقوى،. وكان جادًا في طلب العلم حتى صار إمام الحنفية في عصره ببغداد، توفي ببغداد سنة سبعين وثلاثمائة، أو ست وسبعين وثلاثمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج ١/ ص ٥٥، وشذرات الذهب ج ٣/ ص ٧٢.
(٣) أحكام القرآن ج ٣/ ص ١٨٣.
(٤) انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣، ٢٤، واستنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ١٤.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٣٣.
(٦) انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص ١٤.
[ ١٩ ]