التقليد لغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة. ومنه تقليد البدن بأن يجعل في عنقها شعارا يعلم به أنها هدي (^٥).
ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي (^٦):
وقلدوا أمركم لله دركم … رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا (^٧).
وفي عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير معرفة دليله (^٨).
أو العمل بقول الغير من غير حجة (^٩). أخذا من المعنى اللغوي، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه، أي يجعله طوقا في عنقه (^١٠).
وقد عني الشوكاني بأمر التقليد كثيرا؛ فكتب فيه كتابه: (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد)، وكتاب: (أدب الطلب ومنتهى الأرب)، وقد أشار الشوكاني لهذين الكتابين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤] قال: (وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول، وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته: القول المفيد في حكم التقليد، واستوفي الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب) (^١١).
_________________
(١) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ٨٥٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ١١٨.
(٣) انظر: البدر الطالع ج ٢/ ص ٧٧٦.
(٤) انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص ١١٨.
(٥) انظر: مادة (قلد) في لسان العرب ج ٣/ ص ٣٦٦، ٣٦٧، والقاموس المحيط ج ١/ ص ٣٩٨.
(٦) هو لقيط بن يعمر، شاعر جاهلي قديم، مقل، ليس يعرف له شعر غير هذه القصيدة ومطلعها: يا دار عمرة من محتلِّها الجَرَعا، وقطع من الشعر لطاف متفرقة، انظر: الأغاني ج ٢٢/ ص ٣٥٧ وما بعدها.
(٧) انظر: الأغاني ج ٢٢/ ص ٣٥٧.
(٨) انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، ومذكرة في أصول الفقه ص ٤٨٧.
(٩) انظر: روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٩٦، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، والسيل الجرار ج ١/ ص ٦، وإرشاد الفحول ص ٥٩٧، وفتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٩.
(١٠) انظر: البحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠، ونزهة الخاطر شرح روضة الناظر ج ٢/ ص ٤٩٦.
(١١) فتح القدير ج ١/ ص ١٦٧، ١٦٨.
[ ٢٨ ]
كما تحدث عن التقليد أيضا في مقدمة كتابه: (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)، وكذلك في مواطن كثيرة من تفسيره (^١)، وهو القائل: (وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا-يعني التقليد- والتحذير منه والتنفير عنه) (^٢).
وفي حكم التقليد خلاف دائر بين الجواز والمنع، ولكل دليله (^٣).
وقبل الحكم على ما ذهب إليه الشوكاني في حكم التقليد ينبغي التنبه إلى أمور:
الأول: أن الشوكاني يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة.
فالمتتبع لكلام الشوكاني -في تفسيره- عن التقليد والمقلدين يظهر له أنه يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة، وقد نص على هذا في مواضع كثيرة، منها:
١ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]- (على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي، وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان) (^٤).
_________________
(١) والمواضع هي: البقرة: ٢٢ (ج ١/ ص ٥٠.)، البقرة: ١٢٠ (ج ١/ ص ١٣٥)، البقرة: ١٧٠ (ج ١/ ص ١٦٧)، آل عمران: ٦٤ (ج ١/ ص ٣٤٨)، المائدة: ١٠٤ (ج ٢/ ص ٨٢)، الأعراف: ٢٨ (ج ٢/ ص ١٩٨، ١٩٩)، الأنفال: ٢٤ (ج ٢/ ص ٢٩٩)، التوبة: ٣١ (ج ٢/ ص ٣٥٣)، يونس: ٣٩ (ج ٢/ ص ٤٤٦)، يونس: ٥٩ (ج ٢/ ص ٤٥٥)، يونس: ٧٨ (ج ٢/ ص ٤٦٥)، إبراهيم: ٢٢ (ج ٣/ ص ١٠٣)، النحل: ١١٦ (ج ٣/ ص ٢٠١)، الإسراء: ٣٦ (ج ٣/ ص ٢٢٧)، الأنبياء: ٧ (ج ٣/ ص ٣٩٩)، الأنبياء: ٥٣ (ج ٣/ ص ٤١٢)، المؤمنون: ٢٤ (ج ٣/ ص ٤٨١)، المؤمنون ٨١ (ج ٣/ ص ٤٩٤)، الشعراء: ٧٤ (ج ٤/ ص ١٠٤)، الأحزاب: ٦٧ (ج ٤/ ص ٣٠٦)، لقمان: ٢١ (ج ٤/ ص ٢٤١)، والزخرف: ٢٢ (ج ٤/ ص ٥٥٢، ٥٥٣).
(٢) انظر: فتح القدير ج ٤/ ص ٣٠٦.
(٣) انظر للتوسع في ذلك: الإحكام في أصول الأحكام ج ٤/ ص ٢١٢ وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج ٦/ ص ٢٧٠ وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص ٣٠٤ وما بعدها، وأعلام الموقعين ج ٤/ ص ٢١٠ وما بعدها، وإرشاد الفحول ص ٥٩٦ وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٤ وما بعدها. وينبغي التنبه لأمور في قول من قال بالجواز:
(٤) من أجاز التقليد فإنه بلا شك لم يجز التقليد المخالف للكتاب والسنة، ولا التعصب في التقليد المفضي لترك الحق، وللنزاع بين الأمة.
(٥) قد يكون قصد من أجاز التقليد إنما عني به الاتباع أي قبول قول الغير بالدليل، فيكون الاختلاف في التسمية، فالشوكاني يسميه اتباعا وغيره يسميه تقليدا.
(٦) من أجاز التقليد أجازه لأن الاجتهاد لا يستطيعه كل أحد، والشوكاني يتفق معهم في هذا فإنه أوجب الاجتهاد على القادر، ومنعه من التقليد، وأجاز لغير القادر اتباع قول الغير بمعرفة الدليل.
(٧) فتح القدير ج ٢/ ص ٢٩٩.
[ ٢٩ ]
٢ - قال الشوكاني: - عند قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]- (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه؛ هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة) (^١).
الثاني: لا يلام الشوكاني في تشنيعه على التقليد؛ إذ نشأ في بيئة زيدية، ودرس وتفقه على علمائها، لكنه ترك التمذهب، واعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة (^٢). وكان في زمانه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان الشوكاني إماما مجتهدا، ينبذ التقليد، ويحاربه محاربة شديدة؛ لذا كان شديد الإنكار على التقليد، محاربا له بلسانه، وبنانه. ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة؛ لذا جعل كلامه في السيل الجرار في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد (^٣).
فكأن ذمه للتقليد دعوة للبحث عن الحق، وتحذير من التعصب في التقليد، وتنبيه لما يفضي إليه من نزاع بين أفراد الأمة.
قال الشوكاني: كان الجاهل في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله -ﷺ-؛ فيفتيه به، ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج، ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء، وعدم جواز تقليد غيره، ثم توسع في ذلك، فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها، وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى إنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة ما لم تجده بين أهل الملل المختلفة (^٤).
_________________
(١) فتح القدير ج ٢/ ص ٣٥٣. وانظر مثله في: فتح القدير ج ١/ ص ١٣٥، وج ٢/ ص ٨٣، وج ٢/ ص ١٩٨، وج ٣/ ص ١٠٣، وج ٤/ ص ٥٥٢.
(٢) مستفاد من: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، -رسالة دكتوراه- لـ. د. فايز حبيب الترجمي، ص ٢٠.
(٣) انظر: أبجد العلوم ج ٣/ ص ٢٠٣.
(٤) انظر: القول المفيد ص ٣٨، ٣٩.
[ ٣٠ ]
الثالث: أنه فرَّق بين التقليد والاتباع (^١). فجعل من عرف دليل من أخذه عنه متبعا لا مقلدا.
قال الشوكاني: (وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧]. فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده، فإن معنى هذا السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية، وطلبها من العالم؛ فيكون راويا وهذا السائل مسترويا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة. فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد) (^٢).
ولأن الآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد؛ رد استنباط من استنبط جواز التقليد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ فقال: (وقد اُستدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم؛ لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته) (^٣).
الرابع: ليس في منعه من التقليد تكليف للأمة بما لا يطيقون، إنما مراده أن يبذل كل أحد وسعه في معرفة الحق. وعلى الجاهل الذي لا يفهم ألفاظ الكتاب والسنة أن يسأل من يفطن ذلك، وحينها يكون السائل عاملا بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ويرتفع عنه وصف التقليد المذموم.
قال الشوكاني: (على أني أقول بعد هذا (^٤) إن من كان عاطلا عن العلوم الواجب عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي يجب عليه من عبادة أو معاملة، وسائر ما يحدث له؛ فيقول لمن يسأله: علمني أصح ما ثبت في ذلك من الأدلة حتى أعمل به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأل عن رأيه بل عن روايته، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول) (^٥).
_________________
(١) الاتباع: هو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله. انظر: القول المفيد ص ٣٧، و٦٠، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ٣٥٦.
(٢) القول المفيد ص ٨٨.
(٣) فتح القدير ج ٣/ ص ٣٩٩.
(٤) أي قوله: (والذي أدين الله به أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف، وشطر من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاع على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعمل بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحق بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره، مع البيان لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العمل بما كان كذلك من السنة، ولا يحل التمسك بما يخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدا أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب أو السنة …). البدر الطالع ٦٤٠ وما بعدها.
(٥) البدر الطالع ص ٦٤٣. عند ترجمة محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى.
[ ٣١ ]
ولذا رد الشوكاني قول من قال: لو كان التقليد غير جائز؛ لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف ما لا يطاق؛ فإن الطباع البشرية متفاوتة، وعلى فرض إنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها؛ فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة. فرد بقوله: (ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمر دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش، والقاصرون إدراكا وفهما، كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون، والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله -ﷺ-؛ فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد؛ فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة، فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (^١).
ومما يدل أيضا على أنه لم يطالب الأمة بما لا يطيقون أنه نبه على حكم التقليد في الأصول بما لا يشق على أفراد هذه الأمة؛ فكما راعى حالهم في معرفة الفروع راعى حالهم في معرفة الأصول، فقال: -ردا على من قال: لا يكون المرء مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين- (فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه. وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته) (^٢). ثم نبه على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي (^٣). (^٤).
_________________
(١) القول المفيد ص ٣٨، ٣٩.
(٢) إرشاد الفحول ص ٥٩٩.
(٣) انظر: المصدر السابق ص ٦٠٠.
(٤) ويؤيد هذا الحكم في الأصول قول أبي عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة -﵁- الذي سأل النبي عن خالق السماء والأرض، وناصب الجبال، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي -ﷺ-: "لئن صدق ليدخلن الجنة"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه -ﷺ- قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ١/ ص ١٧١. وتمام الحديث: عن أنس بن مالك -﵁- قال: "نهينا أن نسأل رسول الله -ﷺ- عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل؛ فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن؛ فقال النبي -ﷺ-: لئن صدق ليدخلن الجنة". أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾، رقم: ٦٣، ج ١/ ص ٣٥. ومسلم -واللفظ له- في كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، رقم: ١٢، ج ١/ ص ٤١.
[ ٣٢ ]
فإذا تقررت هذه الأمور، وعرفت؛ تبين صواب قول الشوكاني بمنع التقليد، والله تعالى أعلم. (^١).
ومذهب الشوكاني في التقليد هو مذهب من سبقه من المجددين والمصلحين، كالأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم، وصاحب الدعوة السلفية في نجد الإمام محمد بن عبد الوهاب (^٣)، وغيرهم (^٤).